تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق ، ولا أن يلتقيا في أي طريق . وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان . جاهلية الأمس وجاهلية اليوم ، وجاهلية الغد كلها سواء . إن الهوة بينها وبين الإسلام لا تعبر ، ولا تقام عليها قنطرة ، ولا تقبل قسمة ولا صلة . وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق!

ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم ليدهن لهم ويلين؛ ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم ، أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه ، وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول! ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسماً في موقفه من دينه ، لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانباً وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير . فأما الدين فهو الدين! وهو فيه عند توجيه ربه : ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ !

ولم يساوم صلى الله عليه وسلم في دينه وهو في أحرج المواقف العصبية في مكة . وهو محاصر بدعوته . وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون . ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين ، تأليفاً لقلوبهم ، أو دفعاً لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد . .

روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال :

« فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام . وصدع به كما أمره الله ، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها . فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه ، وقام دونه ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهراً لأمره ، لا يرده عنه شيء » .

« فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب . . عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية . وأبو البختري واسمه العاص بن هشام . والأسود بن المطلب بن أسد . وأبو جهل ( واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى ابا الحكم ) والوليد بن المغيرة ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر . . أو من مشى منهم . . فقالوا : يا أبا طالب . إن ابن اخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه؛ فنكفيكه! فقال لهم أبو طالب قولاً وفيقاً ، وردهم رداً جميلاً ، فانصرفوا عنه .

» ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه : يظهر دين الله ، ويدعو إليه . ثم شري الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذامروا فيه . وحض بعضهم بعضاً عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى . فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا؛ وإنا والله لا نصبر على هذا : من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له . . ثم انصرفوا عنه . فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ، ولم يطب نفساً بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه . قال ابن إسحق : وحدثني يعقوب بن عقبة بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدّث ، أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا بن أخي . إن قومك قد جاءوني فقالوا لي : كذا وكذا ( للذي كانوا قالوا له ) فأبق عليَّ وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق . قال : فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء ، وأنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : « يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته » . قال : واستعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى .

ثم قام . فلما ولى ناداه أبو طالب فقال : أقبل يا بن أخي . قال : فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أسلمك لشيء أبداً « .

فهذه صورة من إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته في اللحظة التي تخلى عنه فيها عمه . حاميه وكافيه ، وآخر حصن من حصون الأرض يمنعه المتربصين به المتذامرين فيه!

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٥٢