تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو قدر الله أن الملائكة تعيش في الأرض لصاغهم في صورة آدمية ، لأنها الصورة التي تتفق مع نواميس الخلق وطبيعة الأرض ، كما قال في آية أخرى : ﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلاً ﴾ والله قادر على كل شيء ، ولكنه خلق نواميس وبرأ مخلوقاته وفق هذه النواميس بقدرته واختياره ، وقدر أن تمضي النواميس في طريقها لا تتبدل ولا تتحول ، لتحقق حكمته في الخلق والتكوين غير أن القوم لا يدركون!

وما دامت هذه سنة الله في خلقه ، فهو يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينهي معهم الجدل ، وأن يكل أمره وأمرهم إلى الله يشهده عليهم ، ويدع له التصرف في أمرهم ، وهو الخبير البصير بالعباد جميعاً :

ومن هذه السنن أن الإنسان مهيأ للهدى والضلال ، وفق ما يحاوله لنفسه من السير في طريق الهدى أو طريق الضلال . فالذي يستحق هداية الله بمحاولته واتجاهه يهديه الله؛ وهذا هو المهتدي حقاً ، لأنه اتبع هدى الله . والذين يستحقون الضلال بالإعراض عن دلائل الهدى وآياته لا يعصمهم أحد من عذاب الله : ﴿ فلن تجد لهم أولياء من دونه ﴾ ويحشرهم يوم القيامة في صورة مهينة مزعجة : ﴿ على وجوهم ﴾ يتكفأون ﴿ عمياً وبكماً وصماً ﴾ مطموسين محرومين من جوارحهم التي تهديهم في هذا الزحام . جزاء ما عطلوا هذه الجوارح في الدنيا عن إدراك دلائل الهدى . و ﴿ مأواهم جهنم ﴾ في النهاية ، لا تبرد ولا تفتر ﴿ كلما خبت زدناهم سعيراً ﴾ .

وهي نهاية مفزعة وجزاء مخيف . ولكنهم يستحقونه بكفرهم بآيات الله : ﴿ ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ﴾ واستنكروا البعث واستبعدوا وقوعه : ﴿ وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً؟ ﴾

والسياق يعرض هذا المشهد كأنه هو الحاضر الآن ، وكأنما الدنيا التي كانوا فيها قد انطوت صفحتها وصارت ماضياً بعيداً . . وذلك على طريقة القرآن في تجسيم المشاهد وعرضها واقعة حية ، تفعل فعلها في القلوب والمشاعر قبل فوات الأوان .

ثم يعود ليجادلهم بالمنطق الواقعي الذي يرونه فيغفلونه .

﴿ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟ ﴾ فأية غرابة في البعث؛ والله خالق هذا الكون الهائل قادر على أن يخلق مثلهم ، فهو قادر إذاً على أن يعيدهم أحياء . ﴿ وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه ﴾ أنظرهم إليه ، وأجلهم إلى موعده ﴿ فأبى الظالمون إلا كفورا ﴾ فكان جزاؤهم عادلاً بعد منطق الدلالات ومنطق المشاهدات ، ووضوح الآيات .

على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المقترحات المتعنتة ، من بيوت الزخرف ، وجنات النخيل والأعناب ، والينابيع المتفجرة . . بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة الله قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفاً من نفادها ، ورحمة الله لا تنفد ولا تغيض :

﴿ قل : لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ﴾ .

وهي صورة بالغة للشح ، فإن رحمة الله وسعت كل شيء ، ولا يخشى نفادها ولا نقصها . ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!

وعلى أية حال فإن كثرة الخوارق لا تنشئ الإيمان في القلوب الجاحدة . وها هو ذا موسى قد أوتي تسع آيات بينات ثم كذب بها فرعون وملؤه ، فحل بهم الهلاك جميعاً .

﴿ قل : كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ، إنه كان بعباده خبيراً بصيرا ﴾ . .

وهو قول يحمل رائحة التهديد . أما عاقبته فيرسمها في مشهد من مشاهد القيامة مخيف :

﴿ ومن يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ، مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ، وقالوا : أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديدا؟ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم؟ وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه ، فأبى الظالمون إلا كفورا ﴾ . .

ولقد جعل الله للهدى وللضلال سنناً ، وترك الناس لهذه السنن يسيرون وفقها ، ويتعرضون لعواقبها .(الظلال)

---------------

محاولتهم زحزحة أهل الحق عنه بأية وسيلة

قال تعالى : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) [القلم/7-9] ﴾

فهي المساومة إذن ، والالتقاء في منتصف الطريق . كما يفعلون في التجارة . وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها؛ لأن الصغير منها كالكبير . بل ليس في العقيدة صغير وكبير . إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء . لا يطيع فيها صاحبها أحداً ، ولا يتخلى عن شيء منها أبداً .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٥١