ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه ، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه ، واليقين بعونه ، والتأكد من النجاة ، وإن كان لا يدري كيف تكون . فهي لا بد كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه .
﴿ قال : كلا إن معي ربي سيهدين ﴾ ..
كلا . في شدة وتوكيد ، كلا لن نكون مدركين . كلا لن نكون هالكين . كلا لن نكون مفتونين . كلا لن نكون ضائعين ﴿ كلا إن معي ربي سيهدين﴾ بهذا الجزم والتأكيد واليقين .
وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب ، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون :
﴿ فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ﴾ ..
ولا يتمهل السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر . فهذا مفهوم . إنما يعجل بالنتيجة : ﴿ فانفلق . فكان كل فرق كالطود العظيم ﴾ ..
ووقعت المعجزة ، وتحقق الذي كان يقول عنه الناس : مستحيل لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور . والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد .
وقعت المعجزة وانكشف بين فرقي الماء طريق . ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم . واقتحم بنو إسرائيل ..
ووقف فرعون مع جنوده مبغوتاً مشدوهاً بذلك المشهد الخارق ، وذلك الحادث العجيب .
ولا بد أن يكون قد وقف مبهوتاً فأطال الوقوف - وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم في طريق مكشوف - قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق العجيب .
وتم تدبير الله فخرج بنو إسرائيل من الشاطىء الآخر ، بين ما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين .
وقد قربهم الله لمصيرهم المحتوم :
﴿ وأزلفنا ثم الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ﴾ ..
﴿ ثم أغرقنا الآخرين ﴾ . !!!
ومضت آية في الأمان ، تتحدث عنها القرون . فهل آمن بها الكثيرون ؟ ." (24)
-----------
* انتصار الله تعالى لكلمته عيسى عليه السلام .
أرسل الله تعالى إلى بني إسرائيل رسلاً وأنبياء كثر ، إلا أن أكثرهم بقوا على كفرهم وعنادهم ، بل إنهم تطاولوا على رسلهم ، ومكروا وكادوا لهم . ولكن الله تعالى لم يتخلى عن رسله ، بل نصرهم وأيدهم ورد كيدهم ومكرهم .
ومن بين هؤلاء الرسل سيدنا عيسى - عليه السلام - ، أرسله الله تعالى إلى بني إسرائيل فآمن به البعض وهم الحواريون .. وأما اليهود - كعادتهم - كفروا بعيسى -عليه السلام - بل دبروا له مكيدة ليقتلوه ، ولكن الله كان لهم بالمرصاد فنجى الله تعالى رسوله من بين أيديهم ، ونصر الله دينه ، وأيد الله المؤمنين به ، ونصرهم على أعدائهم . فعن قصة عيسى - عليه السلام - مع قومه يقول الله تعالى: ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ، ربنا آمنا بما أنزلت واتّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ آل عمران (52-55)
" والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم عيسى -عليه السلام- مكر طويل عريض . فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل.. وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ، ووشوا به إلى الحاكم الروماني "بيلاطس" وادعوا انه "مهيج" يدعوا الجماهير للإنتفاض على الحكومة ! وأنه مشعوذ يحرف ويفسد عقيدة الجماهير ! حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولى عقابه بأيديهم ، لأنه لم يجرؤ - وهو وثني - على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة .. وهذا قليل من كثير ..
﴿ ومكروا ومكر الله . والله خير الماكرين ﴾ ..
والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله .. والمكر التدبير .. ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله . فأين هم من الله ؟ وأين مكرهم من تدبير الله؟
ولقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله ان يتوفاه ، وأن يرفعه إليه ، وأن يطهره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس ،وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ..وكان ما أراد الله. وأبطل الله مكر الماكرين:
﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلىّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ . " (25)
وقال تعالى تأكيداً على انتصاره لرسوله : ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن ، وما قتلوه يقيناً . بل رفعه الله إليه ، وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ النساء (157،158) .