تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله يعلن هنا إرادته هو ، ويكشف عن تقديره هو ، ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما ، بأن احتياطهم وجذرهم لن يجديهم فتيلا :

﴿ ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ﴾ .

فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع النكير، فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، ويسومهم سوء العذاب والنكال . وهو مع ذلك يحذرهم ويخافهم على نفسه وملكه ، فيبث عليهم العيون والأرصاد ، ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشفار كالجزار ! هؤلاء المستضعفون يريد الله أن يمن عليهم بهبّاته من غير تحديد ، وأن يجعلهم أئمة وقادة لا عبيداً ولا تابعين ، وأن يورثهم الأرض المباركة ( التي أعطاهم إياها عندما استحقوها بعد ذلك بالإيمان والصلاح ) وأن يمكنهم فيها فيجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين . وأن يحقق ما يحذره فرعون وهامان وجنودهما ، وما يتخذون الحيطة دونه ، وهم لا يشعرون ! " (23)

وبيّن الله تعالى في آيات أخرى طريقة الإنحاء لموسى ومن آمن معه، وطريقة الهلاك لفرعون وجنوده . كما في قوله تعالى : ﴿ وأوحينا إلى موسى أن اسر بعبادي إنكم متّبعون ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون ، وإنا لجميع حاذرون ، فأخرجناهم من جنات وعيون ، وكنوز ومقام كريم ، كذلك وأورثناها بني إسرائيل ، فأتبعوهم مشرقين ، فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا ، إن معي ربي سيهدين ، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين،ثم أغرقنا الآخرين﴾ الشعراء(52-66) .

" لقد أوحى الله إلى موسى إذن أن يسري بعباده ، وأن يرحل بهم ليلاً ، بعد تدبير وتنظيم ،ونبأه أن فرعون سيتبعه بجنده، وأمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر ( وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات ) .

وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة ، فأمر بما يسمى "التعبئة العامة " وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود ، ليدرك موسى وقومه ، ويفسد عليهم تدبيرهم ، وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير!

وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند .. ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون ، وبقوة موسى ومن معه وعظم خطرهم ، حتى ليحتاج الملك الإله - بزعمه ! - إلى التعبئة العامة . ولا بد إذاً من التهوين من شأن المؤمنين :﴿ إن هؤلاء لشرذمة قليلون ﴾ !

ففيم إذن ذلك الاهتمام بأمرهم ، والاحتشاد لهم ، وهم شرذمة قليلون !

﴿ وإنهم لنا لغائظون ﴾ ..

فهم يأتون من الأفعال والأقوال ما يغيظ ويغضب ويثير !

وإذن فلهم شأن وخطر على كل حال ! فليقل العملاء : إن هذا لا يهم ونحن لهم بالمرصاد :

﴿ وإنا لجميع حاذرون ﴾ ..

مستيقظون لمكائدهم ، محتاطون لأمرهم ، ممسكون بزمام الأمور !

إنها خبرة الباطل المتجبر دائماً في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين!

وقبل أن يعرض المشهد الأخير ، يعجل السياق بالعاقبة الأخيرة من إخراج فرعون وملئه مما كانوا فيه من متاع . ووراثة بني إسرائيل المستضعفين :

﴿ فأخرجناهم من جنات وعيون . وكنوز ومقام كريم . كذلك وأورثناها بني إسرائيل ﴾ ..

لقد خرجوا يتبعون خطى موسى وقومه ويقفون أثرهم . فكانت خرجتهم هذه هي الأخيرة . وكانت إخراجاً لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ، فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم ! لذلك يذكر هنا المصير الأخير عقب خروجهم يقفون أثر المؤمنين . تعجبلاً بالجزاء على الظلم والبطر والبغي الوخيم.

﴿ وأورثناها بني إسرائيل ﴾ ..

ولا يعرف أن بني إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة ، وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه. لذلك يقول المفسرون : إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون وملئه . فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم .

وبعد هذا الاعتراض يجيء المشهد الحاسم الأخير :

﴿ فأتبعوهم مشرقين ، فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا ، إن معي ربي سيهدين ، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ، ثم أغرقنا الآخرين ﴾ ..

لقد أسرى موسى بعباد الله ، بوحي من الله وتدبير . فأتبعهم جنود فرعون في الصباح بمكر من فرعون وبطر . ثم هاهو ذا المشهد يقترب من نهايته . والمعركة تصل إلى ذروتها .. إن موسى وقومه أمام البحر ليس معهم سفن ولا هم يملكون خوضه وما هم بمسلحين . وقد قاربهم فرعون بجنوده وهم شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون !

وقالت دلائل الحال كلها : أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم :

﴿ قال أصحاب موسى : إنا لمدركون ﴾ .

وبلغ الكرب مداه وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين !

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١١٩