تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ أن الباطل كان زهوقا ﴾ .. لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته إنما يستمد حياته الموقوتة من عوامل خارجية وأسناد غير طبيعية ، فإذا تخلخلت تلك العوامل ، ووهيت هذه الأسناد تهاوى وانهار . فأما الحق فمن ذاته يستمد عناصر وجوده . وقد تقف ضده الأهواء وتقف ضده الظروف ويقف ضده السلطان .. ولكن ثباته واطمئنانه يجعل له العقبى ويكفل له البقاء ، لأنه من عند الله الذي جعل " الحق " من أسمائه وهو الحي الباقي الذي لا يزول .

﴿ أن الباطل كان زهوقا ﴾ .. ومن ورائه الشيطان ، ومن ورائه السلطان . ولكن وعد الله أصدق وسلطان الله أقوى . وما من مؤمن ذاق طعم الإيمان ، إلا وذاق معه حلاوة الوعد ، وصدق العهد . ومن أوفى بعهده من الله ؟ ومن أصدق من الله حديثاً ؟ " . (1)

وبمثل هذا التوجيه الرباني ، يأمر الله نبيه أن يلقي هذه الحقيقة قذيفة في وجه الباطل وأهله .. إذ يقول الله تعالى :

﴿ قل : إن ربي يقذف بالحق علاّم الغيوب ، قل جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد ﴾ سبأ (48،49) .

أي فهذا " الذي جئتكم به الحق . الحق القوي الذي يقذف به الله. فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به الله ؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك . وكأنما الحق قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق .. يقذف بها الله " علاّم الغيوب " فهو يقذف بها عن علم ، ويوجهها على علم ، ولا يخفى عليه هدف ، ولا تغيب عنه غاية ، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد يعوقه . فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور ! ...

جاء هذا الحق في صورة من صوره ، في الرسالة ، وفي قرآنها ، وفي منهجها المستقيم . قل : جاء الحق . جاء بقوته. جاء بدفعته . جاء باستعلائه وسيطرته ﴿ وما يبديء الباطل وما يعيد ﴾ .. فقد انتهى أمره . وما عادت له حياة ، وما عاد له مجال ، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال .

إنه الإيقاع المزلزل ، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى ، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال . وإنه لكذلك . فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح . ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم . ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق . إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق . غلبة الناس لا المبادئ . وهذه موقوتة ثم تزول . أما الحق فواضح بين صريح " . (2)

وبمثل هذا التقرير يقول الله تعالى في - آية أخرى - : ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾ الأنبياء(18) .

إذاً " هذه هي السنة المقررة ، فالحق أصيل في طبيعة الكون ، عميق في تكوين الوجود . والباطل منفي عن خلقة هذا الكون أصلاً ، طارئ لا أصالة فيه ، ولا سلطان له ، يطارده الله ، ويقذف عليه بالحق فيدمغه . ولا بقاء لشيء يطارده الله ، ولا حياة لشيء تقذفه يد الله فتدمغه ! ولقد يخيل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها العليم الخبير . وذلك في الفترات التي يبدو فيها الباطل منتفشاً كأنه غالب ، ويبدو فيها الحق منزوياً كأنه مغلوب . وإن هي إلا فترة من الزمان ، يمهد الله فيها ما يشاء ، للفتنة والابتلاء . ثم تجري السنة الأزلية الباقية التي قام عليها بناء السماء والأرض ، وقامت عليها العقائد والدعوات سواء بسواء .

والمؤمنون بالله لا يخالجهم الشك في صدق وعده ، وفي أصالة الحق في بناء الوجود ونظامه ، وفي نصرة الحق الذي يقذف به على الباطل فيدمغه .. فإذا ابتلاهم الله بغلبة الباطل حيناً من الدهر عرفوا أنها الفتنة ، وأدركوا أنه الابتلاء، وأحسوا أن ربهم يربيهم ، لأن فيهم ضعفاً أو نقصاً ، وهو يريد أن يعدهم لاستقبال الحق المنتصر ، وأن يجعلهم ستارة القدرة ، فيدعهم يجتازون فترة البلاء يستكملون فيها النقص ويعالجون فيها الضعف .. وكلما سارعوا إلى العلاج قصّر الله عليهم فترة الابتلاء ، وحقق على أيديهم ما يشاء . أما العاقبة فهي مقررة : ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾ والله يفعل ما يريد".(3)

بل جعل الله تعالى انتصار الحق على الباطل من محض إرادته - سبحانه - ولا راد لحكمه وقضائه .. كما في قوله تعالى: ﴿ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ﴾ الأنفال(7،8).

وقوله تعالى :﴿ ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ﴾ يونس (82) .

وقوله تعالى - أيضاً - :﴿ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور﴾ الشورى (24) .

وهذا كله موقوت بأمر الله : ﴿ فإذا جاء أمر الله قضي بالحق ، وخسر هنالك المبطلون ﴾ غافر (78) .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٠٥