والقرآن الكريم بيّن هذا المعلم في آياته : بوسائل مختلفة ، وأساليب متنوعة، وطرقاً متعددة ، فتارة بآية قرآنية صريحة، وتارة أخرى بإشارة قرآنية خفية ، وفي موضع بقصة قرآنية ، وفي موضع أخر بمثلٍ قرآني .. بل ومن الواقع والتاريخ نماذج متعددة ، وصوراً جليّة تكشف عن هذه الحقيقة مما لا يترك مجالا للشك أو حتى للاحتمال في عدم وقوعها .. بل هو اليقين الثابت ، والحق الجازم ، والسنة الجارية .. بل هو وعد الله ، والله لا يخلف الميعاد .
وفي هذا الورقات سنتطرق لما ورد في كتاب الله ، من آيات ، وقصص ، ونماذج ، وحقائق ، قرآنية تؤكد هذا الأمر وتقرره .. حتى يطمئن السائرون على هذا الدرب ، والماضون على هذا الطريق ، وتبعث الأمل فيمن اشتد عليه الكرب ، وأظلم عليه الطريق ، لنقول له : بأن نصر الله قادم ، وفرجه قريب ، وما بعد طول الظلام إلاّ انفلاق الصباح ، وما بعد العسر إلاّ اليسر ، وما بعد الضيق إلاّ الفرج ..
وتأتي مناسبة الكتابة في هذا الموضوع ، ما نشهده هذه الأيام من الانسحاب المذل للعدو الصهيوني من قطاع غزة والذي تقرر بتاريخ 15/8/2005م ، فهي مناسبة تستحق الفرح بهذا الانتصار من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا نرى ما تعرض له الشعب الفلسطيني بل وواقع المسلمين اليوم وما يتعرض له - في كل مكان - من محن وابتلاءات ، وضيق وكرب ، مما يستدعي نوعاً من العلاج يخفف الآلام ، ويلملم الجراح ، ويواسي المستضعفين .. وفي القرآن العظيم الزاد المعين على هذا الطريق ، وفيه من آيات التثبيت ما يجعل البلاء قُربة يتعبد الله بها ، ويرى مع شدة المحنة لذة الإخلاص . فالقرآن نورٌ وضياء ، ودستور ومنهاج ، وأملٌ وحياة ، يبعث النفس على الاستعلاء على الباطل مهما عَظُم وتجبر وانتعش .
وعليه نتقدم للشعب الفلسطيني وللأمتين العربية والإسلامية عامة ، وللمقاومة الفلسطينية خاصة بالتهنئة بهذا النصر العظيم .. ونقدم بهذه المناسبة هذا الجهد المتواضع وهو عبارة عن دراسات قرآانية بمناسبة انسحاب العدو من قطاع غزة..
وتجدر الإشارة إلى أننا حرصنا على التعليق على الآيات القرآنية من كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب - رحمه الله -، وجعلنا فهرساً في نهاية الورقات لموضع هذه النصوص المقتبسة من كتاب الظلال لمن أراد الرجوع إليها ..
هذا وتتضمن السلسة الورقات الثلاث التالية :
الورقة الأولى : الآيات القرآنية في انتصار الحق على الباطل ، والإيمان على الكفر ، ووعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين، وسنة الله في أخذ الكافرين والظالمين.
الورقة الثانية : نماذج وقصص قرآنية على انتصار الله لرسله، وأوليائه ، ولعقيدة التوحيد ، ولبيته الحرام .
الورقة الثالثة : تكاليف النصر وأعباؤه .
هذا ونسأل الله التوفيق والسداد ، ونسأله تعالى أن يرنا الحق حقاً ، وأن يرزقنا إتباعه ، وأن يرنا الباطل باطلاً ، وأن يرزقنا اجتنابه ، كما نسأله نصراً مؤزراً ، وفرجاً معجلاً ، اللهم آمين
الورقة الأولى : الآيات القرآنية في انتصار الحق على الباطل .
وتشتمل على الحقائق القرآنية التالية :
أولا : الآيات الواردة في انتصار الحق على الباطل صراحة.
ثانياً : الآيات الواردة في انتصار الإسلام وهيمنته على باقي الأديان.
ثالثا : الآيات المبينة لوعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين.
رابعاً: الإشارات القرآنية في نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين .
خامساً : بيان سنة الله في أخذ الكافرين والظالمين .
أولاً : الآيات الواردة في انتصار الحق على الباطل صراحة .
جاء في كثير من الآيات القرآنية تقرير انتصار الحق على الباطل ، بل أمر الله رسوله الكريم أن يعلنها واضحة صريحة بقوله تعالى : ﴿ وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ﴾ الإسراء (81) .
"بهذا السلطان المستمد من الله ، أعلن مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته ، وزهوق الباطل واندحاره وجلاءه ، فمن طبيعة الصدق أن يحيا ويثبت ، ومن طبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق ..
﴿ إن الباطل كان زهوقا ﴾ .. حقيقة لدنية يقررها بصيغة التوكيد ، وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة ودولة . فالباطل ينتفخ وينتفج وينفش ، لأنه باطل لا يطمئن إلى حقيقة ، ومن ثم يحاول أن يموه على العين ، وأن يبدو عظيماً كبيراً ضخماً راسخاً ، ولكنه هش سريع العطب ، كشعلة الهشيم ترتفع في الفضاء عالياً ثم تخبو سريعاً وتستحيل إلى رماد ، بينما الجمرة الذاكية تدفئ وتبقى ، وكالزبد يطفو على الماء ولكنه يذهب جفاء ويبقى الماء .