المحب, ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره, فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان, وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبسَ قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره, وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر, فكل منهما يثمر الآخر, وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر (1) , وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة (2).
قال ابن القيم: وفي الذكر أكثر من مائة فائدة. قال: الخامسة: أنه يقوي القلب والبدن. ثم قال: السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح, فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته, وحضرتُ شيخَ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي, أو كلاما قريبا من هذا, وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر, أو كلاما هذا معناه (3).
وقال الدسوقي: ذكره تعالى يزيل ما قام بالقلب من الغم والكدرات, ويشرحه ويدخل السرور عليه (4) , ويزيل الكسل المانع للجوارح من العبادات والمانعَ للسان من القراءة والأذكار (5).
(1) قال ابن القيم: المحبة شجرة في القلب, عروقها الذل للمحبوب, وساقها معرفته, وأغصانها خشيته, وورقها الحياء منه, وثمرتها طاعته, ومادتها التي تسقيها ذكره, فمتى خلا الحب عن شيء من ذلك كان ناقصا. روضة المحبين (ص 409)
(2) روضة المحبين (ص 264 - 265)
(3) الوابل الصيب (ص 42)
(4) وقد ذكر ابن القيم من فوائد الذكر: أنه يزيل الهم والغم عن القلب, وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط. الوابل الصيب (ص 41)
(5) حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين للسنوسي (ص 17)