فكانت آيته في ذلك من وجهين أحدهما أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملا ووليدا والثاني أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به رفع أصحاب الفيل عنهم وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو ثائل بالزندقة أو مانع من الرجعة ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسا للنبوة وتعظيما للكعبة وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكا للحج
فإن قيل فكيف منع عن الكعبة قبل مصيرها قبلة ومنسكا ولم يمنع الحجاج من هدمها وقد صارت قبلة ومنسكا حتى أحرقها ونصب المنجنيق عليها فقال فيها على ما حكي عنه
( كيف تراه ساطعا غباره % والله فيما يزعمون جاره )
وقال راميها بالمنجنيق
( قطارة مثل الفنيق المزبد % أرمي بها أعواد كل مسجد )
قيل فعل الحجاج كان بعد استقرار الدين فاستغنى عن آيات تأسيسه وأصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس النبوة ومجيء الرسالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أنذر بهدمها فصار الهدم آية بعد أن كان المنع آية فلذلك اختلف حكمهما في الحالين والله تعالى أعلم
ولما انتشر في العرب ما صنع الله تعالى بجيش الفيل تهيبوا الحرم وأعظموه وزادت حرمته في النفوس ودانت لقريش بالطاعة وقالوا أهل الله قاتل عنهم وكفاهم كيد عدوهم فزادوهم تشريفا وتعظيما وقامت قريش لهم بالوفادة والسدانة والسقاية والوفادة مال تخرجه قريش في كل عام من أموالهم يصنعون به طعاما للناس أيام منى فصاروا أئمة ديانين وقادة متبعين وصار أصحاب الفيل مثلا في الغابرين