تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرمزوا بأوصافه ، وأخفوا معانيه ؛ ليوهموا الشح به والأسف عليه خديعة للعقول الواهية والآراء الفاسدة .

وقد قال الشاعر : منعت شيئا فأكثرت الولوع به أحب شيء إلى الإنسان ما منعا ثم ليكونوا براء من عهدة ما قالوه إذا جرب .

ولو كان ما تضمن هذين النوعين ، وأشباههما من الرموز معنى صحيحا وعلما مستفادا لخرج من الرمز الخفي إلى العلم الجلي ، فإن أغراض الناس مع اختلاف أهوائهم لا تتفق على ستر سليم وإخفاء مفيد .

وقد قال زهير : الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر وربما استعمل الرمز من الكلام فيما يراد تفخيمه من المعاني ، وتعظيمه من الألفاظ ؛ ليكون أحلى في القلوب موقعا ، وأجل في النفوس موضعا ، فيصير بالرمز سائرا وفي الصحف مخلدا .

كالذي حكي عن فيثاغورس في وصاياه المرموزة أنه قال : احفظ ميزانك من البذيء ، وأوزانك من الصديء .

يريد بحفظ الميزان من البذيء حفظ اللسان من الخنا ، وحفظ الأوزان من الصدى حفظ العقل من الهوى .

فصار بهذا الرمز مستحسنا ومدونا ولو قاله باللفظ الصريح والمعنى الصحيح ، لما سار عنه ، ولا استحسن منه .

وعلة ذلك أن المحجوب عن الأفهام كالمحجوب عن الأبصار فيما يحصل له في النفوس من التعظيم ، وفي القلوب من التفخيم .

وما ظهر منها ولم يحتجب هان واسترذل ، وهذا إنما يصح استحلاؤه فيما قل وهو باللفظ الصريح مستقل .

فأما العلوم المنتشرة التي تتطلع النفوس إليها فقد استغنت بقوة الباعث عليها وشدة الداعي إليها عن الاستدعاء

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٥٥