التعليم في الصغر كالنقش على الحجر .
فقال الأحنف : الكبير أكثر عقلا ولكنه أشغل قلبا .
ولعمري لقد فحص الأحنف عن المعنى ونبه على العلة ؛ لأن قواطع الكبير كثيرة : فمنها : ما ذكرنا من الاستحياء .
وقد قيل في منثور الحكم : من رق وجهه رق علمه .
وقال الخليل بن أحمد : يرتع الجهل بين الحياء والكبر في العلم .
ومنها : وفور شهواته وتقسم أفكاره .
وقال الشاعر : صرف الهوى عن ذي الهوى عزيز إن الهوى ليس له تمييز وقال بعض البلغاء : إن القلب إذا علق كالرهن إذا غلق .
ومنها : الطوارق المزعجة والهموم المذهلة .
وقد قيل في منثور الحكم : الهم قيد الحواس .
وقال بعض البلغاء : من بلغ أشده لاقي من العلم أشده .
ومنها : كثرة اشتغاله وترادف حالاته حتى أنها تستوعب زمانه وتستنفد أيامه .
فإذا كان ذا رئاسة ألهته ، وإن كان ذا معيشة قطعته .
ولذلك قيل : تفقهوا قبل أن تسودوا .
وقال بزرجمهر : الشغل مجهدة والفراغ مفسدة .
فينبغي لطالب العلم أن لا يني في طلبه وينتهز الفرصة به ، فربما شح الزمان بما سمح وضن بما منح .
ويبتدئ من العلم بأوله ويأتيه من مدخله ولا يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا يسعه جهله .
فإن لكل علم فصولا مذهلة وشذورا مشغلة ، إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه .
وقال المأمون : ما لم يكن العلم بارعا فبطون الصحف أولى به من قلوب الرجال