تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أسباب التقصير أيضا أن يغفل عن التعلم في الصغر ، ثم يشتغل به في الكبر فيستحي أن يبتدئ بما يبتدئ الصغير ، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير ، فيبدأ بأواخر العلوم ، وأطرافها ، ويهتم بحواشيها ، وأكنافها ؛ ليتقدم على الصغير المبتدي ، ويساوي الكبير المنتهي .

وهذا ممن رضي بخداع نفسه ، وقنع بمداهنة حسه ؛ لأن معقوله إن أحس ومعقول كل ذي حس يشهد بفساد هذا التصور ، وينطق باختلال هذا التخيل ؛ لأنه شيء لا يقوم في وهم .

وجهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم .

وقد قال الشاعر : ترق إلى صغير الأمر حتى يرقيك الصغير إلى الكبير فتعرف بالتفكر في صغير كبيرا بعد معرفة الصغير ولهذا المعنى ، وأشباهه كان المتعلم في الصغر أحمد .

روى مروان بن سالم عن إسماعيل بن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ { مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء .

} .

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته وإنما كان كذلك ؛ لأن الصغير أفرغ قلبا ، وأقل شغلا ، وأيسر تبذلا ، وأكثر تواضعا .

وقد قيل في منثور الحكم : المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء .

فأما أن يكون الصغير أضبط من الكبير إذا عري من هذه الموانع ، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع فلا .

حكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلا يقول :

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٥٠