ومن أسباب التقصير أيضا أن يغفل عن التعلم في الصغر ، ثم يشتغل به في الكبر فيستحي أن يبتدئ بما يبتدئ الصغير ، ويستنكف أن يساويه الحدث الغرير ، فيبدأ بأواخر العلوم ، وأطرافها ، ويهتم بحواشيها ، وأكنافها ؛ ليتقدم على الصغير المبتدي ، ويساوي الكبير المنتهي .
وهذا ممن رضي بخداع نفسه ، وقنع بمداهنة حسه ؛ لأن معقوله إن أحس ومعقول كل ذي حس يشهد بفساد هذا التصور ، وينطق باختلال هذا التخيل ؛ لأنه شيء لا يقوم في وهم .
وجهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم .
وقد قال الشاعر : ترق إلى صغير الأمر حتى يرقيك الصغير إلى الكبير فتعرف بالتفكر في صغير كبيرا بعد معرفة الصغير ولهذا المعنى ، وأشباهه كان المتعلم في الصغر أحمد .
روى مروان بن سالم عن إسماعيل بن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ { مثل الذي يتعلم في صغره كالنقش على الصخر والذي يتعلم في كبره كالذي يكتب على الماء .
} .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته وإنما كان كذلك ؛ لأن الصغير أفرغ قلبا ، وأقل شغلا ، وأيسر تبذلا ، وأكثر تواضعا .
وقد قيل في منثور الحكم : المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء .
فأما أن يكون الصغير أضبط من الكبير إذا عري من هذه الموانع ، وأوعى منه إذا خلا من هذه القواطع فلا .
حكي أن الأحنف بن قيس سمع رجلا يقول :