تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقرب مما قبله فبعيد من الصواب من وجه واحد وهو أن الإدراك من صفات الحي ، والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون متلذذا أو آلما أو مشتهيا .

وقال آخرون من المتكلمين العقل هو جملة علوم ضرورية وهذا الحد غير محصور لما تضمنه من الإجمال ، ويتأوله من الاحتمال .

والحد إنما هو بيان المحدود بما ينفي عنه الإجمال والاحتمال .

وقال آخرون ، وهو القول الصحيح : إن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية .

وذلك نوعان : أحدهما ما وقع عن درك الحواس .

والثاني : ما كان مبتدئا في النفوس .

فأما ما كان واقعا عن درك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر ، والأصوات المدركة بالسمع ، والطعوم المدركة بالذوق ، والروائح المدركة بالشم ، والأجسام المدركة باللمس ، فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الأشياء ثبت له هذا النوع من العلم ؛ لأن خروجه في حال تغميض عينيه من أن يدرك بهما ويعلم لا يخرجه من أن يكون كامل العقل من حيث علم من حاله أنه لو أدرك لعلم .

وأما ما كان مبتدئا في النفوس فكالعلم بأن الشيء لا يخلو من وجود أو عدم ، وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم ، وأن من المحال اجتماع الضدين ، وأن الواحد أقل من الاثنين .

وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة حاله ، وكمال عقله ، فإذا صار عالما بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل وسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة ؛ لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٥