قسم الله للمرء عقله فليس من الأشياء شيء يقاربه إذا أكمل الرحمن للمرء عقله فقد كملت أخلاقه ومآربه واعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات .
وقد ينقسم قسمين : غريزي ومكتسب .
فالغريزي هو العقل الحقيقي .
وله حد يتعلق به التكليف لا يجاوزه إلى زيادة ولا يقصر عنه إلى نقصان .
وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان ، فإذا تم في الإنسان سمي عاقلا وخرج به إلى حد الكمال كما قال صالح بن عبد القدوس : إذا تم عقل المرء تمت أموره وتمت أمانيه وتم بناؤه وروى الضحاك في قوله تعالى : ﴿ لينذر من كان حيا ﴾ أي من كان عاقلا واختلف الناس فيه وفي صفته على مذاهب شتى .
فقال قوم : هو جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات .
ومن قال بهذا القول اختلفوا في محله .
فقالت طائفة منهم محله الدماغ ؛ لأن الدماغ محل الحس .
وقالت طائفة أخرى منهم محله القلب ؛ لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس .
وهذا القول في العقل بأنه جوهر لطيف فاسد من وجهين : أحدهما : إن الجواهر متماثلة فلا يصح أن يوجب بعضها ما لا يوجب سائرها .
ولو أوجب سائرها ما يوجب بعضها لاستغنى العاقل بوجود نفسه عن وجود عقله .
والثاني : أن الجوهر يصح قيامه بذاته .
فلو كان العقل جوهرا لجاز أن يكون عقل بغير عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فامتنع بهذين أن يكون العقل جوهرا .
وقال آخرون : العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى .
وهذا القول وإن كان