تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الليل أخطر للخاطر وأجمع للفكر .

فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه ، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل .

فإنه إذا فعل ذلك وجد أفعاله لا تنفك من أربعة أحوال : إما أن يكون قد أصاب فيها الغرض المقصود بها ، أو يكون قد أخطأ فيها فوضعها في غير موضعها ، أو يكون قصر فيها فنقصت عن حدودها ، أو يكون قد زاد فيها حتى تجاوزت محدودها .

وهذا التصفح إنما هو استظهار بعد تقديم الفكر قبل الفعل ليعلم به مواقع الإصابة وينتهز به استدراك الخطأ .

وقد قيل : من كثر اعتباره قل عثاره .

وكما يتصفح أحوال نفسه فكذا يجب أن يتصفح أحوال غيره ، فربما كان استدراكه الصواب منها أسهل بسلامة النفس من شبهة الهوى ، وخلو الخاطر من حسن الظن ، فإن ظفر بصواب وجده من غيره ، أو أعجبه جميل من فعله زين نفسه بالعمل به .

فإن السعيد من تصفح أفعال غيره فاقتدى بأحسنها وانتهى عن سيئها .

وقد روى زيد بن خالد الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ السعيد من وعظ بغيره ﴾ .

وقال ` الشاعر : إن السعيد له من غيره عظة وفي التجارب تحكيم ومعتبر وأنشدني بعض أهل العلم لطاهر بن الحسين : إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك فأما ما يرومه من أعماله ، ويؤثر الإقدام عليه من مطالبه ، فيجب أن يقدم الفكر فيه قبل دخوله فإن كان الرجاء فيه أغلب من الإياس منه وحمدت العافية

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٤٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٤٥٤