وأما ستر العورة فقد اختلف الناس فيه هل وجب بالعقل أو بالشرع ؟ فقالت طائفة : وجب سترها بالعقل لما في ظهورها من القبح ، وما كان قبيحا فالعقل مانع منه .
ألا ترى أن آدم وحواء لما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة تنبيها لعقولهما في ستر ما رأياه مستقبحا من سوآتهما ؛ لأنهما لم يكونا قد كلفا ستر ما لم يبد لهما .
ولا كلفاه بعد أن بدت لهما وقبل سترها .
وقالت طائفة أخرى : بل ستر العورة واجب بالشرع ؛ لأنه بعض الجسد الذي لا يوجب العقل ستر باقيه ، وإنما اختصت العورة بحكم شرعي فوجب أن يكون ما يلزم من سترها حكما شرعيا .
وقد كانت قريش وأكثر العرب مع ما كانوا عليه من وفور العقل وصحة الألباب يطوفون بالبيت عراة ويحرمون على نفوسهم اللحم والودك .
ويرون ذلك أبلغ في القربة ، وإنما القرب ما استحسنت في العقل حتى أنزل الله تعالى : ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ .
يعني بقوله : خذوا زينتكم ، الثياب التي تستر عوراتكم ، وكلوا واشربوا ما حرمتموه على أنفسكم من اللحم والودك .
وفي قوله تعالى : ولا تسرفوا تأويلان : أحدهما : لا تسرفوا في التحريم وهذا قول السدي .
والثاني : لا تأكلوا حراما فإنه إسراف وهذا قول ابن زيد .
فأوجب بهذه الآية ستر العورة بعد أن لم يكن العقل موجبا له فدل ذلك على أن سترها وجب بالشرع دون العقل .