تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما النوع الثاني وهو شهوة الأشياء الملذة ومنازعة النفوس إلى طلب الأنواع الشهية فمذاهب الناس في تمكين النفس فيها مختلفة .

فمنهم من يرى أن صرف النفس عنها أولى ، وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ، ليذل له قيادها .

ويهون عليه عنادها ؛ لأن تمكينها وما تهوى بطر يطغي وأشر يردي ؛ لأن شهواتها غير متناهية فإذا أعطاها المراد من شهوات وقتها تعدتها إلى شهوات قد استحدثتها ، فيصير الإنسان أسير شهوات لا تنقضي ، وعبد هوى لا ينتهي .

ومن كان بهذه الحال لم يرج له صلاح ولم يوجد فيه فضل .

وأنشدت لأبي الفتح البستي : يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته لتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وللحذر من هذه الحال ما حكي أن أبا حزم رحمه الله كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة .

وقال آخر : تمكين النفس من لذاتها أولى ، وإعطاؤها ما اشتهت من المباحات أحرى ؛ لما فيه من ارتياح النفس بنيل شهواتها ، ونشاطها بإدراك لذاتها ، فتنحسر عنها ذلة المقهور ، وبلادة المجبور ، ولا تقصر عن درك ولا تعصي في نهضة ولا تكل عن استعانة .

وقال آخرون : بل توسط الأمرين أولى ؛ لأن في إعطائها كل شهواتها بلادة والنفس البليدة عاجزة ، وفي منعها عن البعض كف لها عن السلاطة ، وفي تمكينها من البعض حسم لها عن البلادة .

وهذا لعمري أشبه المواهب بالسلام ؛ لأن التوسط في الأمور أحمد .

وإذ قد مضى الكلام في المأكول والمشروب فينبغي

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٤٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٤٤٤