عمر بن عبيد الله اشترى للحسن البصري إزارا بستة دراهم ونصف فأعطى التاجر سبعة دراهم ، فقال : ثمنه ستة دراهم ونصف .
فقال : إني اشتريته لرجل لا يقاسم أخاه درهما .
ومن الناس من يرى أن المساهلة في العقود عجز ، وأن الاستقصاء فيها حزم ، حتى أنه لينافس في الحقير ، وإن جاد بالجليل الكثير كالذي حكي عن عبد الله بن جعفر وقد ماكس في درهم ، وهو يجود بما يجود به ، فقيل له في ذلك فقال : ذلك مالي أجود به وهذا عقلي بخلت به .
وهذا إنما ينساع من أهل المروءة في دفع ما يخادعهم به الأدنياء ، ويغابنهم به الأشحاء ، وهكذا كانت حال عبد الله بن جعفر .
فأما مماكسة الاستنزال والاستسماح فكلا ؛ لأنه مناف للكرم ومباين للمروءة .
وأما الحقوق فتتنوع المسامحة فيها نوعين : أحدهما في الأحوال ، والثاني في الأموال .
فأما المسامحة في الأحوال فهو إطراح المنازعة في الرتب وترك المنافسة في التقدم .
فإن مشاحة النفوس فيها أعظم والعناد عليها أكثر ، فإن سامح فيها ولم ينافس كان مع أخذه بأفضل الأخلاق واستعماله لأحسن الآداب أوقع في النفوس من إفضاله برغائب الأموال ، ثم هو أزيد في رتبته وأبلغ في تقدمه .
وإن شاح فيها ونازع كان مع ارتكابه لأخشن الأخلاق واستعماله لأهجن الآداب أنكى في النفوس من حد السيف وطعن السنان ، ثم هو أخفض للمرتبة وأمنع من التقدم .
حكي أن فتى من بني هاشم تخطى رقاب الناس عند ابن أبي دؤاد فقال : يا بني إن الآداب ميراث الأشراف ولست أرى عندك