وأما الصيانة وهي الثالث من شروط المروءة فنوعان : أحدهما : صيانة النفس بالتماس كفايتها وتقدير مادتها .
والثاني : صيانتها عن تحمل المنن من الناس والاسترسال في الاستعانة .
وأما التماس الكفاية وتقدير المادة ؛ فلأن المحتاج إلى الناس كل مهتضم وذليل مستثقل .
وهو لما فطر عليه ، محتاج إلى ما يستمده ليقيم أود نفسه ، ويدفع ضرورة وقته .
وقد قالت العرب في أمثالها : كلب جوال خير من أسد رابض .
وما يستمده نوعان : لازم وندب .
فأما اللازم فما أقام بالكفاية وأفضى إلى سد الخلة .
وعليه في طلبه ثلاثة شروط : واحدها : استطابته من الوجوه المباحة وتوقي المحظورة فإن المواد المحرمة مستخبثة الأصول ، ممحوقة المحصول ، إن صرفها في بر لم يؤجر ، وإن صرفها في مدح لم يشكر ، ثم هو لأوزارها محتقب ، وعليها معاقب .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ لا يعجبك رجل كسب مالا من غير حله فإن أنفقه لم يقبل منه ، وإن أمسكه فهو زاده إلى النار ﴾ .
وقال بعض الحكماء : شر المال ما لزمك إثم مكسبه وحرمت أجر إنفاقه .
ونظر بعض الخوارج إلى رجل من أصحاب السلطان يتصدق على مسكين ، فقال : انظر إليهم حسناتهم من سيئاتهم .
وقال علي بن الجهم : سر من عاش ماله فإذا حاسبه الله سره الإعدام والثاني : طلبه من أحسن جهاته التي لا يلحقه فيها غض ، ولا يتدنس له بها عرض ، فإن المال يراد لصيانة الأعراض لا لابتذالها ، ولعز النفوس لا لإذلالها .
وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله