تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التقويم والتهذيب ، لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة ، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة ؛ لأنها عليه غير مطبوعة ، وله غير ملائمة ، فتصير منه أنفر ، ولضده الملائم آثر .

وقد قيل : ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه .

وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة ، وفي الفضائل راغبة ، فإذا مازحها صارت طبعا ملائما فنما واستقر .

فأما من مني بعلو الهمة وسلب شرف النفس فقد صار عرضة لأمر أعوزته آلته ، وأفسدته جهالته ، فصار كضرير يروم تعلم الكتابة ، وأخرس يريد الخطبة ، فلا يزيده الاجتهاد إلا عجزا والطلب إلا عوزا .

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ ما هلك امرؤ عرف قدره ﴾ .

وقيل لبعض الحكماء : من أسوأ الناس حالا ؟ قال : من بعدت همته ، واتسعت أمنيته ، وقصرت آلته ، وقلت مقدرته .

وقال أفنون التغلبي : ولا خير فيما يكذب المرء نفسه وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي إذا هو لم يجعل له الله واقيا وقال بعض الحكماء : تجنبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خولتم ، وتستصغرون بها نعمة الله عليكم .

وقيل في منثور الحكم : المنى من بضائع النوكى .

فإن صادف بهمته حظا نال به أملا كان فيما ناله كالمغتصب ، وفيما وصل إليه كالمتغلب ، إذ ليس في الحظوظ تقدير لحق ، ولا تمييز لمستحق ، وإنما هي كالسحاب الذي يمسك عن منابت الأشجار إلى مغايص البحار ويترك حيث صادف من خبيث وطيب ، فإن صادف أرضا طيبة نفع وإن صادف أرضا خبيثة ضر .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٤٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٤٠٣