الفصل السابع في المروءة اعلم أن من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة التي هي حلية النفوس وزينة الهمم .
فالمروءة مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته ﴾ .
وقال بعض البلغاء : من شرائط المروءة أن يتعفف عن الحرام ، ويتصلف عن الآثام ، وينصف في الحكم ، ويكف عن الظلم ، ولا يطمع فيما لا يستحق ، ولا يستطيل على من لا يسترق ، ولا يعين قويا على ضعيف ، ولا يؤثر دنيا على شريف ، ولا يسر ما يعقبه الوزر والإثم ، ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم .
وسئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة فقال : العقل يأمرك بالأنفع ، والمروءة تأمرك بالأجمل .
ولن تجد الأخلاق على ما وصفنا من حد المروءة منطبعة ، ولا عن المراعاة مستغنية ، وإنما المراعاة هي المروءة لا ما انطبعت عليه من فضائل الأخلاق ؛ لأن غرور الهوى ونازع الشهوة يصرفان النفس أن تركب الأفضل من خلائقها ، والأجمل من طرائقها ، وإن سلمت منها ، وبعيد أن تسلم إلا لمن استكمل شرف الأخلاق طبعا ، واستغنى عن تهذيبها تكلفا وتطبعا .
وقال الشاعر : من لك بالمحض وليس محض يخبث بعض ويطيب بعض ثم لو استكمل الفضل طبعا ، وفي المعوز أن يكون مستكملا ، لكان في المستحسن من عادات دهره