تجري لقوم وقوم وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة .
وكانت العرب إذا أرادت سفرا نفرت أول طائر تلقاه فإن طار يمنة سارت وتيمنت ، وإذا طار يسرة رجعت وتشاءمت ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال : ﴿ أقروا الطير على وكناتها ﴾ .
وحكى عكرمة قال : كنا جلوسا عند ابن عباس رضي الله عنهما ، فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم : خير .
فقال ابن عباس : لا خير ولا شر .
وقال لبيد : لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع واعلم أنه قلما يخلو من الطيرة أحد لا سيما من عارضته المقادير في إرادته ، وصده القضاء عن طلبته ، فهو يرجو واليأس عليه أغلب ، ويأمل والخوف إليه أقرب .
فإذا عاقه القضاء ، وخانه الرجاء ، جعل الطيرة عذر خيبته ، وغفل عن قضاء الله عز وجل ومشيئته ، فإذا تطير أحجم عن الإقدام ويئس من الظفر وظن أن القياس فيه مطرد وأن العبرة فيه مستمرة .
ثم يصير ذلك له عادة فلا ينجح له سعي ، ولا يتم له قصد .
فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه ثقة بإقباله وتعويلا على سعادته ، فلا يصده خوف ولا يكفه حزن ولا يئوب ، إلا ظافرا ، ولا يعود إلا منجحا ؛ لأن الغنم بالإقدام ، والخيبة مع الإحجام ، فصارت الطيرة من سمات الإدبار واطراحها من إمارات الإقبال .
فينبغي لمن مني بها وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى ودواعي الخيبة وذرائع الحرمان ، ولا يجعل للشيطان سلطانا في نقض عزائمه ومعارضة خالقه .