حياة المرء رهنا بموته وصحته رهنا كذلك بالسقم إذا طاب لي عيش تنغص طيبه بصدق يقيني أن سيذهب كالحلم ومن كان في عيش يراعي زواله فذلك في بؤس وإن كان في نعم ومنها : أن يتصور انجلاء الشدائد وانكشاف الهموم ، وأنها تقدر بأوقات لا تنصرم قبلها ، ولا تستديم بعدها ، فلا تقصر بجزع ولا تطول بصبر ، وأن كل يوم يمر بها يذهب منها بشطر ويأخذ منها بنصيب ، حتى تنجلي وهو عنها غافل .
وحكي أن الرشيد حبس رجلا ثم سأل عنه بعد زمان ، فقال للمتوكل به : قل له كل يوم يمضي من نعمه يمضي من بؤسي مثله ، والأمر قريب والحكم لله تعالى .
فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال : لو أن ما أنتمو فيه يدوم لكم ظننت ما أنا فيه دائما أبدا لكنني عالم أني وأنكم سنستجدي خلاف الحالتين غدا وأنشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين حضرته الوفاة : ألم تر أن ربك ليس تحصى أياديه الحديثة والقديمه تسل عن الهموم فليس شيء يقوم ولا همومك بالمقيمه لعل الله ينظر بعد هذا إليك بنظرة منه رحيمه ومنها : أن يعلم أن في ما وقي من الرزايا ، وكفي من الحوادث ، ما هو أعظم من رزيته وأشد من حادثته ؛ ليعلم أنه ممنوح بحسن الدفاع .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ إن لله تعالى في أثناء كل محنة منحة ﴾ .
وقيل للشعبي في نائبة كيف أصبحت ؟ قال : بين نعمتين : خير منشور وشر مستور .
وقال بعض الشعراء : لا تكره المكروه عند حوله إن العواقب لم تزل متباينه كم نعمة لا تستقل