واعلم أن للكلام آدابا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه ، وطمس بهجة بيانه ، ولها الناس عن محاسن فضله بمساوي أدبه ، فعدلوا عن مناقبه بذكر مثالبه .
فمن آدابه : أن لا يتجاوز في مدح ولا يسرف في ذم وإن كانت النزاهة عن الذم كرما والتجاوز في المدح ملقا يصدر عن مهانة .
والسرف في الذم انتقام يصدر عن شر ، وكلاهما شين وإن سلم من الكذب .
يروى أنه { لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد تميم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن قيس بن عاصم فمدحه ، فقال قيس : والله يا رسول الله لقد علم أني خير مما وصف ولكن حسدني ، فذمه عمرو وقال : والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى ؛ لأني رضيت في الأولى فقلت أحسن ما علمت وسخطت في الأخرى فقلت أقبح ما علمت .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا } .
على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذرة لا سيما إذا مدح تقربا وذم تحنقا .
وحكي عن الأحنف بن قيس أنه قال : سهرت ليلتي أفكر في كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما وجدتها .
وقال عبد الله بن مسعود : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه دينه .
قيل : وكيف ذلك ؟ قال يرضيه بما يسخط الله عز وجل .
وسمع ابن الرومي رجلا يصف رجلا ويبالغ في مدحه فأنشأ يقول : إذا ما وصفت امرأ لامرئ فلا تغل في وصفه واقصد فإنك إن تغل تغل الظنون فيه إلى الأمد الأبعد فيضأل من حيث عظمته