تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن للكلام آدابا إن أغفلها المتكلم أذهب رونق كلامه ، وطمس بهجة بيانه ، ولها الناس عن محاسن فضله بمساوي أدبه ، فعدلوا عن مناقبه بذكر مثالبه .

فمن آدابه : أن لا يتجاوز في مدح ولا يسرف في ذم وإن كانت النزاهة عن الذم كرما والتجاوز في المدح ملقا يصدر عن مهانة .

والسرف في الذم انتقام يصدر عن شر ، وكلاهما شين وإن سلم من الكذب .

يروى أنه { لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد تميم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم عن قيس بن عاصم فمدحه ، فقال قيس : والله يا رسول الله لقد علم أني خير مما وصف ولكن حسدني ، فذمه عمرو وقال : والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الأخرى ؛ لأني رضيت في الأولى فقلت أحسن ما علمت وسخطت في الأخرى فقلت أقبح ما علمت .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا } .

على أن السلامة من الكذب في المدح والذم متعذرة لا سيما إذا مدح تقربا وذم تحنقا .

وحكي عن الأحنف بن قيس أنه قال : سهرت ليلتي أفكر في كلمة أرضي بها سلطاني ولا أسخط بها ربي فما وجدتها .

وقال عبد الله بن مسعود : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه دينه .

قيل : وكيف ذلك ؟ قال يرضيه بما يسخط الله عز وجل .

وسمع ابن الرومي رجلا يصف رجلا ويبالغ في مدحه فأنشأ يقول : إذا ما وصفت امرأ لامرئ فلا تغل في وصفه واقصد فإنك إن تغل تغل الظنون فيه إلى الأمد الأبعد فيضأل من حيث عظمته

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٥٠