تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأن إرسالها في العدو سهم وسم .

وهذا أسوأ حالا من النوعين الأولين ؛ لأنه قد جمع بين الكذب المعر والشر المضر .

ولذلك ورد الشرع برد شهادة العدو على عدوه .

ومنها : أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها ، فصار الكذب له عادة ، ونفسه إليه منقادة ، حتى لو رام مجانبة الكذب عسر عليه ؛ لأن العادة طبع ثان .

وقد قالت الحكماء : من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه .

وقيل في منثور الحكم : لا يلزم الكذاب شيء إلا غلب عليه .

واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه .

فمنها : أنك إذا لقنته الحديث تلقنه ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده .

ومنها : أنك إذا شككته فيه تشكك حتى يكاد يرجع فيه ، ولولاك ما تخالجه الشك فيه .

ومنها : أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك ولم يكن عنده نصرة المحتجين ، ولا برهان الصادقين .

ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : الكذاب كالسراب .

ومنها : ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين ؛ لأن هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه ؛ لما في الطبع من آثارها .

ولذلك قالت الحكماء : العينان أنم من اللسان .

وقال بعض البلغاء : الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا .

وقال بعض الشعراء : تريك أعينهم ما في صدورهم إن العيون يؤدي سرها النظر وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة ، وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوبا عليه ، فيجمع بين معرة الكذب منه

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٢٦