وأما دواعي الكذب فمنها : اجتلاب النفع واستدفاع الضر ، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع ، واستشفافا للطمع .
وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف ؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا .
وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة ، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة ﴾ .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لأن يضعني الصدق وقلما يفعل ، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل .
وقال بعض الحكماء : الصدق منجيك وإن خفته ، والكذب مرديك وإن أمنته .
وقال الجاحظ : الصدق والوفاء توأمان ، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين ، وصلاح كل دنيا ، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد .
ومنها : أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا ، فلا يجد صدقا يعذب ولا حديثا يستظرف ، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة ، ولا ظرائفه معجزة .
وهذا النوع أسوأ حالا مما قبل ؛ لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة الهمة .
وقد قال الجاحظ : لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده .
وقال ابن المقفع : لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال الحق .
ومنها : أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه ، ويصفه بفضائح ينسبها إليه .
ويرى أن معرة الكذب غنم