ولذلك قيل : من قل صدقه قل صديقه .
والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية ، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة .
فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه ، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه .
ولكل واحد منها دواع .
فدواعي الصدق لازمة ، ودواعي الكذب عارضة ؛ لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد ، فالكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع .
ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة ، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة ؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق الدواعي ، فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها ، حتى إذا تلقوا خبرا ، وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة ، وقع في النفس صدقه ؛ لأن الدواعي إليه نافعة ، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن .
ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير ، الذي لا يمكن مواطأة مثلهم ، على نقل خبر يكون كذبا ؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة ، وربما كانت ضارة .
وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة .
ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق ؛ لجواز اتفاق دواعيهم ، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيهم .
وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر من دواعيهما .
أما دواعي الصدق فمنها : العقل ؛ لأنه موجب لقبح الكذب ، لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا .
والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ، ويمنع من إتيان ما كان