تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك قيل : من قل صدقه قل صديقه .

والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية ، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة .

فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه ، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه .

ولكل واحد منها دواع .

فدواعي الصدق لازمة ، ودواعي الكذب عارضة ؛ لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد ، فالكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع .

ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة ، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة ؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق الدواعي ، فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها ، حتى إذا تلقوا خبرا ، وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة ، وقع في النفس صدقه ؛ لأن الدواعي إليه نافعة ، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن .

ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير ، الذي لا يمكن مواطأة مثلهم ، على نقل خبر يكون كذبا ؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة ، وربما كانت ضارة .

وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة .

ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق ؛ لجواز اتفاق دواعيهم ، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيهم .

وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر من دواعيهما .

أما دواعي الصدق فمنها : العقل ؛ لأنه موجب لقبح الكذب ، لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا .

والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ، ويمنع من إتيان ما كان

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٢٢