للكبر مجانبا ، وللإعجاب مباينا ، من جل في الدنيا قدره ، وعظم فيها خطره ؛ لأنه قد يستقل بعالي همته كل كثير ، ويستصغر معها كل كبير .
وقال محمد بن علي : لا ينبغي للشريف أن يرى شيئا من الدنيا لنفسه خطيرا فيكون بها نابها .
وقال ابن السماك لعيسى بن موسى : تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك .
وكان يقال : اسمان متضادان بمعنى واحد : التواضع والشرف .
وللكبر أسباب : فمن أقوى أسبابه علو اليد ، ونفوذ الأمر ، وقلة مخالطة الأكفاء .
وحكي أن قوما مشوا خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : أبعدوا عني خفق نعالكم فإنها مفسدة لقلوب نوكى الرجال .
ومشوا خلف ابن مسعود فقال ارجعوا فإنها زلة للتابع وفتنة للمتبوع .
وروى قيس بن حازم ﴿ أن رجلا أتي به للنبي صلى الله عليه وسلم فأصابته رعدة ، فقال له صلى الله عليه وسلم : هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد ﴾ .
وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم حسما لمواد الكبر ، وقطعا لذرائع الإعجاب ، وكسرا لأشر النفس ، وتذليلا لسطوة الاستعلاء .
ومثل ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم فيقبض لي القبضة من التمر والزبيب فأظل اليوم وأي يوم .
فقال له عبد الرحمن بن عوف والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قصرت بنفسك