وأما الرابع من أسبابها وهو الصناعة : فقد يتعلق بما مضى من الأسباب الثلاثة وتنقسم أقساما ثلاثة : صناعة فكر ، وصناعة عمل ، وصناعة مشتركة بين فكر وعمل ؛ لأن الناس آلات للصناعات ، وأشرفهم نفسا متهيئ لأشرفها جنسا ، كما أن أرذلهم نفسا متهيئ لأرذلها جنسا ؛ لأن الطبع يبعث على ما يلائمه ، ويدعو إلى ما يجانسه .
وحكي أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطاطاليس : اخرج معي .
قال : قد نحل جسمي وضعفت عن الحركة فلا تزعجني .
قال فما أصنع في عمالي خاصة ؟ قال انظر إلى من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجنود ، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج .
فنبه باعتبار الطباع على ما أغناه عن كلفة التجربة .
وأشرف الصناعات صناعة الفكر وهي مدبرة ، وأرذلها صناعة العمل ؛ لأن العمل نتيجة الفكر وتدبيره .
فأما صناعة الفكر فقد تنقسم قسمين : أحدهما : ما وقف على التدبيرات الصادرة عن نتائج الآراء الصحيحة كسياسة الناس وتدبير البلاد .
وقد أفردنا للسياسة كتابا لخصنا فيه من جملها ما ليس يحتمل هذا الكتاب زيادة عليها .
والثاني : ما أدت إلى المعلومات الحادثة عن الأفكار النظرية .
وقد مضى في فضل العلم من كتابنا هذا باب أغنى ما فيه عن زيادة قول فيه .
وأما صناعة العمل فقد تنقسم قسمين : عمل صناعي ، وعمل بهيمي .
فالعمل الصناعي أعلاها رتبة ؛ لأنه يحتاج إلى معاطاة في تعلمه ، ومعاناة في تصوره ، فصار بهذه النسبة من المعلومات الفكرية .