وغلب حال السائل وندب إلى المنع إذا كان العطاء في غير حق ليقوى على الحقوق إذا عرضت ، ولا يعجز عنها إذا لزمت وتعينت .
وقد قال بعض الشعراء : لا تجد بالعطاء في غير حق ليس في منع غير ذي الحق بخل إنما الجود أن تجود على من هو للجود والندى منك أهل فأما من أجاب السؤال ، ووعد بالبذل والنوال ، فقد صار بوعده مرهونا وصار وفاؤه بالوعد مقرونا .
فالاعتبار بحق السائل بعد الوعد ولا سبيل إلى مراجعة نفسه في الرد ، فيستوجب مع ذم المنع لؤم البخل ومقت القادر وهجنة الكذوب .
ثم لا سبيل لمطله بعد الوعد ؛ لما في المطل من تكدير الصنيع وتمحيق الشكر .
والعرب تقول في أمثالها : المطل أحد المنعين ، واليأس أحد النجحين .
وقال بشار بن برد : أظلت علينا منك يوما غمامة أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها فلا غيمها يجلي فييأس طامع ولا غيثها يأتي فيروي عطاشها ثم إذا أنجز وعده ، وأوفى عهده ، لم يتبع نفسه ما أعطى ويسر إن كانت يده العليا .
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ اليد العليا خير من اليد السفلى ﴾ .
وقال الشاعر : فإنك لا تدري إذا جاء سائل أأنت بما تعطيه أم هو أسعد عسى سائل ذو حاجة إن منعته من اليوم سؤلا أن يكون له غد وليكن من سروره إذ كانت الأرزاق مقدرة أن تكون على يده جارية ، ومن جهته واصلة ، لا تنتقل عنه بمنع ولا تتحول عنه بإياس .
وحكي أن رجلا شكا كثرة عياله إلى بعض الزهاد فقال : انظر من كان منهم ليس رزقه على الله عز وجل فحوله إلى منزلي .