والبذل على وجهين : أحدهما ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال ، والثاني ما كان عن طلب وسؤال .
فأما المبتدئ به فهو أطبعهما سخاء ، وأشرفهما عطاء .
وسئل علي - كرم الله وجهه - عن السخاء فقال : ما كان منه ابتداء فأما ما كان عن مسألة فحياء .
وقال بعض الحكماء : أجل النوال ما وصل قبل السؤال .
وقال بعض الشعراء : وفتى خلا من ماله ومن المروءة غير خالي أعطاك قبل سؤاله وكفاك مكروه السؤال وهذا النوع من البذل قد يكون لتسعة أسباب .
فالسبب الأول : أن يرى خلة يقدر على سدها ، وفاقة يتمكن من إزالتها ، فلا يدعه الكرم والتدين إلا أن يكون زعيم صلاحها ، وكفيل نجاحها ، رغبة في الأجر إن تدين وفي الشكر إن تكرم .
وقال أبو العتاهية : ما الناس إلا آلة معتمله للخير والشر جميعا فعله والسبب الثاني : أن يرى في ماله فضلا عن حاجته ، وفي يده زيادة عن كفايته ، فيرى انتهاز الفرصة بها فيضعها حيث تكون له ذخرا معدا وغنما مستجدا .
وقد قال الحسن البصري رحمه الله : ما أنصفك من كلفك إجلاله ومنعك ماله .
وقيل لهند بنت الحسن : من أعظم الناس في عينك ؟ قالت : من كان لي إليه حاجة .
وقال الشاعر : وما ضاع مال ورث الحمد أهله ولكن أموال البخيل تضيع والسبب الثالث : أن يكون لتعريض يتنبه عليه لفطنته ، وإشارة يستدل عليها بكرمه ، فلا يدعه الكرم أن يغفل ولا الحياء أن يكف .
وقد حكي أن رجلا ساير بعض الولاة فقال : ما أهزل برذونك ؟ فقال : يده مع أيدينا فوصله اكتفاء بهذا التعريض