وأما القاعدة السادسة : فهي أمل فسيح يبعث على اقتناء ما يقصر العمر عن استيعابه ويبعث على اقتناء ما ليس يؤمل في دركه بحياة أربابه .
ولولا أن الثاني يرتفق بما أنشأه الأول حتى يصير به مستغنيا ، لافتقر أهل كل عصر إلى إنشاء ما يحتاجون إليه من منازل السكنى وأراضي الحرث ، وفي ذلك من الإعواز وتعذر الإمكان ما لا خفاء به .
فلذلك ما أرفق الله تعالى خلقه باتساع الآمال إلا حتى عمر به الدنيا فعم صلاحها وصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن ، فيتم الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها ، ويرمم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها لتكون أحوالها على الأعصار ملتئمة ، وأمورها على ممر الدهور منتظمة .
ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه ، ولا تعدى ضرورة وقته ، ولكانت تنتقل إلى من بعده خرابا لا يجد فيها بلغة ، ولا يدرك منها حاجة .
ثم تنتقل إلى من بعد بأسوأ من ذلك حالا حتى لا ينمى بها نبت ، ولا يمكن فيها لبث .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الأمل رحمة من الله لأمتي ، ولولاه لما غرس غارس شجرا ولا أرضعت أم ولدا .
وقال الشاعر : وللنفوس وإن كانت على وجل من المنية آمال تقويها فالمرء يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها وأما حال الأمل في أمر الآخرة فهو من أقوى الأسباب في الغفلة عنها ، وقلة الاستعداد لها .
وقد أفصح لبيد مع أعرابية بما تبين به حال الأمل في الأمرين ، فقال : وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس