وأما القاعدة الخامسة : فهي خصب دار تتسع النفوس به في الأحوال وتشترك فيه ذو الإكثار والإقلال .
فيقل في الناس الحسد ، وينتفي عنهم تباغض العدم ، وتتسع النفوس في التوسع ، وتكثر المواساة والتواصل .
وذلك من أقوى الدواعي لصلاح الدنيا وانتظام أحوالها ، ولأن الخصب يئول إلى الغنى والغنى يورث الأمانة والسخاء .
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري : لا تستقضين إلا ذا حسب ومال ، فإن ذا الحسب يخاف العواقب وذا المال لا يرغب في مال غيره .
وقال بعض السلف : إني وجدت خير الدنيا والآخرة في التقى والغنى ، وشر الدنيا والآخرة في الفجور والفقر .
وقال بعض الشعراء : ولم أر بعد الدين خيرا من الغنى ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر وبحسب الغنى يكون إقلال البخيل وإعطاؤه ، وإكثار الجواد وسخاؤه ، كما قال دعبل : لئن كنت لا تولي ندى دون إمرة فلست بمول نائلا آخر الدهر وأي إناء لم يفض عند ملئه وأي بخيل لم ينل ساعة الوفر وإذا كان الخصب يحدث من أسباب الصلاح ما وصفت ، كان الجدب يحدث من أسباب الفساد ما ضادها .
وكما أن صلاح الخصب عام ، فكذلك فساد الجدب عام ، وما عم به الصلاح إن وجد ، وما عم به الفساد إن فقد ، فأحرى أن يكون من قواعد الصلاح ودواعي الاستقامة .
والخصب يكون من وجهين : خصب في المكاسب ، وخصب في المواد .
فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد وهو من نتائج الأمن المقترن بها .
وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسباب إلهية وهو من نتائج