وأما القاعدة الثالثة : فهي عدل شامل يدعو إلى الألفة ، ويبعث على الطاعة ، وتتعمر به البلاد ، وتنمو به الأموال ، ويكثر معه النسل ، ويأمن به السلطان .
فقد قال المرزبان لعمر ، حين رآه وقد نام متبذلا : عدلت فأمنت فنمت .
وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور ؛ لأنه ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى غاية ، ولكل جزء منه قسط من الفساد حتى يستكمل .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ بئس الزاد إلى المعاد ، العدوان على العباد ﴾ .
وقال صلى الله عليه وسلم : { ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات .
فأما المنجيات : فالعدل في الغضب والرضا ، وخشية الله في السر والعلانية ، والقصد في الغنى والفقر .
وأما المهلكات : فشح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه } .
وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند ، وقد رأى قلة الشرائع بها : لم صارت سنن بلادكم قليلة ؟ قالوا : لإعطائنا الحق من أنفسنا ، ولعدل ملوكنا فينا .
فقال لهم : أيما أفضل ، العدل أو الشجاعة ؟ قالوا : إذا استعمل العدل أغنى عن الشجاعة .
وقال بعض الحكماء : بالعدل والإنصاف تكون مدة الائتلاف .
وقال بعض البلغاء : إن العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق ، ونصبه للحق ، فلا تخالفه في ميزانه ، ولا تعارضه في سلطانه ، واستعن على العدل بخلتين : قلة الطمع ، وكثرة الورع .
فإذا كان العدل من إحدى قواعد الدنيا التي لا انتظام لها إلا به ، ولا صلاح فيها إلا معه ، وجب أن نبدأ بعدل الإنسان في نفسه ،