اعتبر .
وقال الأحنف بن قيس : من كل شيء يحفظ الأحمق إلا من نفسه .
وقال بعض البلغاء : إن الدنيا ربما أقبلت على الجاهل بالاتفاق ، وأدبرت عن العاقل بالاستحقاق .
فإن أتتك منها سهمة مع جهل ، أو فاتتك منها بغية مع عقل ، فلا يحملنك ذلك على الرغبة في الجهل ، والزهد في العقل .
فدولة الجاهل من الممكنات ، ودولة العاقل من الواجبات .
وليس من أمكنه شيء من ذاته ، كمن استوجبه بآلته ، وأدواته .
وبعد فدولة الجاهل كالغريب الذي يحن إلى النقلة ، ودولة العاقل كالنسيب الذي يحن إلى الوصلة .
فلا يفرح المرء بحالة جليلة نالها بغير عقل ، ومنزلة رفيعة حلها بغير فضل .
فإن الجهل ينزله منها ، ويزيله عنها ، ويحطه إلى رتبته ، ويرده إلى قيمته ، بعد أن تظهر عيوبه ، وتكثر ذنوبه ، ويصير مادحه هاجيا ، ووليه معاديا .
واعلم أنه بحسب ما ينشر من فضائل العاقل ، كذلك يظهر من رذائل الجاهل ، حتى يصير مثلا في الغابرين ، وحديثا في الأخرين ، مع هتكه في عصره ، وقبح ذكره في دهره ، كالذي رواه عطاء عن جابر قال : كان في بني إسرائيل رجل له حمار .
فقال : يا رب لو كان لك حمار لعلفته مع حماري .
فهم به نبي من أنبياء الله ، فأوحى الله إليه : إنما أثيب كل إنسان على قدر عقله .
واستعمل معاوية رجلا من كلب فذكر المجوس يوما عنده فقال : لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم ، والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم ما نكحت أمي .
فبلغ ذلك معاوية فقال : - قبحه الله - أترونه لو زادوه فعل ؟ وعزله