وإذ قد بلغ بنا القول إلى ذلك ، فسنبدأ بذكر ما يصلح الدنيا ، ثم نتلوه بوصف ما يصلح به حال الإنسان فيها .
اعلم أن ما به تصلح الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمة ، وأمورها ملتئمة ، ستة أشياء هي قواعدها ، وإن تفرعت ، وهي : دين متبع وسلطان قاهر وعدل شامل وأمن عام وخصب دائم وأمل فسيح .
فأما القاعدة الأولى : فهي الدين المتبع فلأنه يصرف النفوس عن شهواتها ، ويعطف القلوب عن إرادتها ، حتى يصير قاهرا للسرائر ، زاجرا للضمائر ، رقيبا على النفوس في خلواتها ، نصوحا لها في ملماتها .
وهذه الأمور لا يوصل بغير الدين إليها ، ولا يصلح الناس إلا عليها .
فكأن الدين أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها ، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها وسلامتها .
ولذلك لم يخل الله تعالى خلقه ، مذ فطرهم عقلاء ، من تكليف شرعي ، واعتقاد ديني ينقادون لحكمه فلا تختلف بهم الآراء ، ويستسلمون لأمره فلا تتصرف بهم الأهواء .
وإنما اختلف العلماء رضي الله عنهم ، في العقل والشرع هل جاءا مجيئا واحدا ، أم سبق العقل ثم تبعه الشرع ؟ .
فقالت طائفة : جاء العقل والشرع معا مجيئا واحدا لم يسبق أحدهما صاحبه .
وقالت طائفة أخرى : سبق العقل ثم تبعه الشرع ؛ لأن بكمال العقل يستدل على صحة الشرع .
وقد قال الله تعالى : ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ .
وذلك لا يوجد منه إلا عند كمال عقله ، فثبت أن الدين من أقوى القواعد في صلاح الدنيا ، وهو الفرد الأوحد في صلاح الآخرة .
وما كان به صلاح الدنيا