عن جميعهم عطب وإسعادها لكافتهم فساد لائتلافهم بالاختلاف والتباين ، واتفاقهم بالمساعدة والتعاون .
فإذا تساوى جميعهم لم يجد أحدهم إلى الاستعانة بغيره سبيلا ، وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا ، فيذهبوا ضيعة ويهلكوا عجزا .
وإذا تباينوا واختلفوا صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة ؛ لأن ذا الحاجة وصول ، والمحتاج إليه موصول .
وقد قال الله تعالى : ﴿ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ﴾ .
قال الحسن : مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير ، ولذلك خلقهم يعني للاختلاف بالغنى والفقر .
وقال الله تعالى : ﴿ والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ .
غير أن الدنيا إذا صلحت كان إسعادها موفورا ، وإعراضها ميسورا .
إلا أنها إذا منحت هنت وأودعت وإذا استردت رفقت وأبقت .
وإذا فسدت الدنيا كان إسعادها مكرا ، وإعراضها غدرا ؛ لأنها إذا منحت كدت وأتعبت ، وإذا استردت استأصلت وأجحفت .
ومع هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها لوفور أماناتهم ، وظهور دياناتهم .
وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم ، وضعف دياناتهم .
وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفا ، كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفا ، فلا شيء أنفع من صلاحها ، كما لا شيء أضر من فسادها ؛ لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم فلا شيء أحق به نفعا ، كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم فلا شيء أجدر به ضررا .
وأنشدت لأبي بكر بن دريد : الناس مثل زمانهم قد الحذاء على مثاله