عجزه في الدنيا التي جعلها دار تكليف وعمل ، كما جعل الآخرة دار قرار وجزاء ، فلزم لذلك أن يصرف الإنسان إلى دنياه حظا من عنايته ؛ لأنه لا غنى به عن التزود منها لآخرته ، ولا له بد من سد الخلة فيها عند حاجته .
وليس في هذا القول نقض لما ذكرنا قبل من ترك فضولها ، وزجر النفس عن الرغبة فيها .
بل الراغب فيها ملوم ، وطالب فضولها مذموم .
والرغبة إنما تختص بما جاوز قدر الحاجة ، والفضول إنما ينطلق على ما زاد على قدر الكفاية .
وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ﴾ .
قال أهل التأويل : فإذا فرغت من أمور دنياك فانصب في عبادة ربك .
وليس هذا القول منه ترغيبا لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها ، ولكن ندبه إلى أخذ البلغة منها .
وعلى هذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم : ﴿ ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ولا الآخرة للدنيا ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه ﴾ .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ نعم المطية الدنيا فارتحلوها تبلغكم الآخرة ﴾ .
وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقال رضي الله عنه : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها .
وحكى مقاتل أن إبراهيم الخليل - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - قال : يا رب حتى متى أتردد في طلب الدنيا ؟ فقيل له : أمسك عن هذا فليس طلب المعاش من طلب الدنيا .
وقال سفيان الثوري - رحمة الله عليه - : مكتوب في