بخلقه وتفضله على عباده أن جعل لهم من جنس كل فريضة نفلا ، وحمل لها من الثواب قسطا ، وندبهم إليه ندبا ، وجعل لهم بالحسنة عشرا ليضاعف ثواب فاعله ، ويضع العقاب عن تاركه .
ومن لطيف حكمته أن جعل لكل عبادة حالتين : حالة كمال وحالة جواز ، رفقا منه بخلقه لما سبق في علمه أن فيهم العجل المبادر والبطيء المتثاقل ، ومن لا صبر له على أداء الأكمل ليكون ما أخل به من هيئات عبادته غير قادح في فرض ، ولا مانع من أجر ، فكان ذلك من نعمه علينا وحسن نظره إلينا .
وكان أول ما فرض بعد تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم عبادات الأبدان ، وقد قدمها على ما يتعلق بالأموال ؛ لأن النفوس على الأموال أشح وبما يتعلق بالأبدان أسمح ، وذلك الصلاة والصيام .
فقدم الصلاة على الصيام ؛ لأن الصلاة أسهل فعلا ، وأيسر عملا ، وجعلها مشتملة على خضوع له وابتهال إليه .
فالخضوع له رهبة منه ، والابتهال إليه رغبة فيه .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ إذا قام أحدكم إلى صلاته فإنما يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ﴾ .
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان كلما دخل عليه وقت صلاة اصفر لونه مرة واحمر أخرى فقيل له في ذلك ، فقال : أتتني الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها أنا فلا أدري أأسيء فيها أم أحسن .
ثم جعل لها شروطا لازمة من رفع حدث ، وإزالة نجس ؛ ليستديم النظافة للقاء ربه ، والطهارة لأداء فرضه .