تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلماء، كأبي حنيفة وأصحابه ـ كأبي يوسف وغيره من العلماء ـ على أنه لا يجوز مثل هذا الدعاء، فإنه أقسم على الله بمخلوق، ولا يصح القسم بغير الله، وإن سأله به على أنه سبب ووسيلة إلى قضاء حاجته." (1)

وقال شيخ الاسلام رحمه الله:" اللهم بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك: افعل بي كذا، وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس؛ لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ .. ثم قال رحمه الله: فإن أعظم الخلق قدراً هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحداً منهم عند الفزع والخوف أن يقول: يا سيدي! يا رسول الله ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته؛ بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - ـ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن هذه الكلمة قالها إبراهيم ـ عليه السلام ـ حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - ـ يعني وأصحابه ـ حين قال لهم الناس: أن الناس قد جمعوا لكم. وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم». وقد روى أنه علَّم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته، وفي السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حزبه أمر قال: «يا حي يا قيوم برحمتك استغيث»، وروى أنه علم ابنته فاطمة أن تقول: يا حي يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك».

وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم البستي عن ابن مسعود ـ - رضي الله عنه - ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما أصاب عبداً قط هم ولا حزن» فقال: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في تكابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي: ألا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحاً: قالوا: يا رسول الله: أفلا نتعلمهن؟ قال: ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن». وقال لأمته: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذكر الله، والاستغفار»، فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقاً ولا ملكاً ولا نبياً ولا غيرهم».

ومثل هذا كثير في سننه لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به من دعاء الله، وذكره الاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تضاهي دين المشركين والنصارى؟

فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك؛ وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجري لهم مثل هذا، كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. فلولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: 35 ـ 36]." (2)

الشبهة الخامسة: قول القائل إذا كان لا يجوز السفر لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فلازم قولكم أنه لا يجوز السفر لطلب العلم والرزق ونحو ذلك؟

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 133

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية رحمه الله 27/ 83 - 90

المأمول من زوار قبر وروضة مسجد الرسول · الصفحة ٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المأمول من زوار قبر وروضة مسجد الرسولص ٢١