تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - اعتباره كسباً خبيثاً لا ينبغي أن تبنى به المساجد وتشيَّد.

وانطلاقاً من هذه الأصول والاعتبارات تعددت أقوال الفقهاء في المسألة. أوجزها في قولين:

القول الأول: مذهب الشافعية، وابن رشد من المالكية: أن التحلل من المال الحرام بصرفه في بناء مسجد أو ترميمه جائز إذا كان مالكه الأصلي مجهولاً. فقد ذكر النووي: أنه إن كان المال الحرام لمالك لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر (1) والربط (2) والمساجد ونحو ذلك مما يشارك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على الفقراء (3).

وهذا تخريج على الأصل الثالث -كما نرى- وهو أن المال الحرام إذا لم يعلم مالكه ليرد إليه، يكون ملكاً للفقراء والمساكين والمصالح العامة دون تمييز.

ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما يلي:

1 - أن المال الضائع -ومثله الحرام الذي لا يعرف مالكه- تعود ملكيته إلى بيت المال، فإذا دخل بيت المال صرف في المصالح العامة -ومنها المساجد- وعلى الفقراء والمساكين مراعياً في ذلك الحاجة والمصلحة.

2 - أن المال الحرام إذا دفع إلى الفقير لم يكن حراماً عليه باتفاق أهل العلم، بل يكون حلالاً محضاً -كما سبق بيانه- فيقاس عليه وضعه في المسجد، بجامع الاستحقاق.

3 - أن الحرام صفة تلحق ذمة المكتسب بالحرام، لا عين المال، فهو الآثم، وهو الذي يعذب على كسب الحرام، فيكون وضعه في أي جهة من جهات الخير -ومنها المساجد- جائزاً ومبرئاً للذمة إذا صدق الفاعل في توبته (4).

الثاني: مذهب الحنفية، والحنابلة (5)، والمشهور عند المالكية، أنه لا يجوز جعل المال الحرام في المسجد بناء أو ترميماً. (6) ويعتبر هذا منهم أخذاً بالاعتبار الرابع، وذلك لما يلي:

(1) القناطر: الجسور، مفرده قنطرة، وهو جسر فوق النهر يعبر عليه. انظر: المعجم الوسيط، مادة: (قنطر).

(2) الربط: جمع رباط، وهو مبنى لوقف على الفقراء والمجاهدين.

(3) المجموع للنووي 9/ 351، وينظر أيضا: البيان والتحصيل لابن رشد المالكي 18/ 565، الذخيرة 13/ 321.

(4) انظر نحو هذا: ص186 و197.

(5) لم أعثر على قول صريح للحنابلة في هذه المسألة، ولكن ذلك يفهم من قولهم: إن الصلاة محرمة وغير صحيحة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، حيث إن المسجد إذا بني بالمال الحرام صار كالأرض المغصوبة.

(6) رد المختار لابن عابدين 2/ 292، الذخيرة للقرافي 13/ 320.

المال الحرام تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه · الصفحة ٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المال الحرام تملكه، وإنفاقه، والتحلل منهص ٢٨