فمعاهدات الصلح والهدنة ، التي عقدها ابو بكر الصديق رضي الله عنه بواسطة قواده في الأمصار ، قد وفّى بها خير وفاء ، ولم ينقض شيئاً منها ، وكذلك الامام عمر رضي الله عنه ، وعثمان ، وعلي ، كلهم قد وفوا بعهودهم ومواثيقهم ، وذلك بارز وواضح في كتب التاريخ مثل ( الطبري ، ابن كثير ، وكتب الفتوحات مثل البلاذري ، والواقدي ... وغيرهم ) . وقد ذكروا الامثلة العديدة على هذا الوفاء اثناء سردهم لسيرة الفتوحات . وهذا نابع من الالتزام بهذا الدين عقيدةً وأحكاماً ، كيف لا والله سبحانه وتعالى قد مدحهم فقال : ( لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة ، فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحاً قريباُ ) . (1)
وقال : ( من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحْبه ومنهم من ينتظرُ وما بدلوا تبديلاً ) (2) .
الفصل الثاني
انعقاد المعاهدات
المبحث الاول : بيان تعريف الركن ، والشرط ، حسب اصطلاح الاصوليين .
المعاهدات بشكل عام هي عقود – من حيث تعريف العقد ،- كأي عقد آخر .
وقالوا في تعريف العقد : بانه إيجاب وقبول ، او هي إيجاب وقبول متعلقان بصيغة ، او بمحلّ العقد . والمعاهدات حسب واقعها هي ايجاب وقبول متعلقان بمحلّ الصيغة وهي المعاهدة نفسها . (3)
وبما ان هذا العقد ، هو تصرُّف من تصرفات المسلم ، فالأصل فيه ان يكون منضبطاً ، ومقيّداً بأحكام الشرع ، غير خارج عنها ، وذلك ان المسلم لا يصدر عنه قول ، ولا فعل ، ولا شيء من التصرفات إلاّ ويكون منضبطاً بالنصوص الشرعية .
(1) الفتح (18)
(2) الاحزاب (23)
(3) المدخل لدراسة الشريعة .د عبد الكريم زيدان (247) ، انظر المدخل الفقهي : (1/320) .