تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد وقع هذا الاتحاد في سورة الفاتحة بشكل دقيق، رفيع المستوى، وكنا قد مثّلنا له في بداية الكتاب برسم يوضح مدى الترابط بين الآية وأختها، بل إن الترابط فيها ينظمُها جميعاً في سلك واحد.

ونمط الإعجاز في هذا الباب يتجلَّى في دَّقة الرَّبط بين الكلمات وبين المعني، إلى الحدّ الذي لا يُحْتاج معه إلى زيادة أو إلى نقصان، على غير ما هو جارٍ في بيان الإنسان، الذي لا يخلو، في أيّ صورة، من التعرّض الجرح والتعديل.

رابعاً: الأسلوب

وأقصد به تلك الأنماط ذات المستوى العالى في البناء وفي الأداء والتي وجدتُ لها شاهداً في موضعين:

(الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين)

إذْ جاءتْ (الرحمن الرحيم) متوسطةً بين (رب العالمين) و (مالك يوم الدين) للدلالة على أنّ فيض (الرحمن الرحيم) جارٍ على الوصفين، وهو ما ذكرنا أدّلته في مبحث التفسير والبيان.

وفي حدود ما قرأت من قواعد البيان والبلاغة لم أجد في التراث العربي شبيهاً لذلك النسق العالي من التعبير، إلا أن هناك شَكْلاً يًقَاربه ولكن لا يرقى إليه، وهو ما عُرِف في النحو باسم النعت السّبي، وفيما يلي بيان له ولهيئته:

المثال: رأيتُ الرجلَ القصيرَ ثوبُه.

فلو وقف الكلام عند كلمة (القصير) لكانت الكلمةُ نعتاً مُباشراً للرّجلِ ووصفاً لمدى ارتفاعه عن سطح الأرض. ولكن المراد هو وصْفُ ثوبٍ الرَّجُلِ وليس ذاته، فجئ بعد الصفة بكلمةٍ، كانت بياناً لِوِجْهة الصفة، وهي كلمة ثوب التي أًضيفت إلى ضمير الرجل (الهاء).

اللباب في أم الكتاب · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اللباب في أم الكتابص ٨٥