تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كانت البلاغة، في بعض معانيها، تعني أن يبلغ المتكلم، في نسق كلامه ... ما يحقّق لهذا الكلام سرعة الوصول إلى إدراك المتلقي، وثباته في الذاكرة، فإن انتهاء الآيات بالياء والنون أو بالياء والميم كان بمثابة الفواصل التي تجعل لكلّ آية قالباً يحفظها من الاختلاط في ذهن المتلقي.

ب- ثم إن توحّد المقاطع في أواخر الآيات يُضْفي قدراً من (التنغيم) يجد له صدى في النفس، فيجعلها مُغْرَمة بالقراءة والاستماع للآيات. مع ملاحظة أن ذلك البناء في أواخر الآيات لم يأت لغاية التنغيم فقط، إنما جاء منسجماً ومتوافقاً مع البناء اللغوي والبناء الدلالي انسجاماً بالغاً، يتجلى معه وجهٌ من وجوه إعجاز الحرف، وهو أن البشر جميعاً، ومعهم الجن، لو أرادوا أن يُنْشئوا مثل ذلك النَّسق من المقاطع الحرفية واسعة المدى، لوقعوا وقوعاً حتمياً في الاختلال اللغوي والدلالي، ويندرج في ذلك ما عُرِف في النص الشعري باسم الضرورة الشعرية ..

ج- ومن شواهد الدالة على إعجاز استخدام الحرف في غير سورة الفاتحة تلك الحروف المقطعة في بدايات عددٍ من سورة القرآن الكريم فسورة (البقرة) مثلاً، تبلغ آياتها (286) آية، وكلماتها (6144) كلمة وعدد الحروف (9899) إذا قسمنا مجموع الحروف على (19) (9899 ÷ 19= 131).

وبالرغم من ضخامة تلك الأعداد، فإن عدد تكرار الحروف الثلاثة (آلم) يقف عند حدِّ يقبل القسمة على تسعة عشر، ومع ذلك لم يحصل أدنى خللٍ في الحروف ولا في الكلمات ولا في الجُمَل، ولا في النسق التشريعي عند مقارنته بما يسري في مساره في السُّور الأُخْرى

وأني لأعتقد اعتقاداً جازماً أنّ (الفاتحة) لا تخلو من ذلك النسق، على الرغم من خلوّها من نظام الحروف المقطّعة، نسأل الله أنْ يَهْدينا إليه بمّنه وكرمه.

ثانياً: الكلمة

اللباب في أم الكتاب · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اللباب في أم الكتابص ٧٩