ومما يُشيُر إلى تميُز الحرف حال وروده في نص القرآن العظيم ذلك الأثر الذي يُحْدثه التركيب الصوتي لكلمات القرآن في ذات المُستمع حتى وإنْ لم يكن عقله مُقبْلاً على إدراك المعاني، ودليلنا على هذه الحالة ما يشهده في أنفسنا وفي غيرنا من تأثر بما يصل إلى السمع من أصوات الحروف في نَصّ القرآن العظيم.
ومما يُشيرُ إلى حقيقة الإعجاز في صوت الحرف، وحسن تواصله مع غيره من الحروف ذلك الأثر المروىّ في كتبِ الأحاديث:
عن أبي بُرْدة عن أبي موسى رضي الله عنه قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى:
(لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة، لقد أُوْتيتَ مِزْماراً من مزامير آل داود) رواه البخاري ومسلم.
فأبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - لم يأتِ بقرآنٍ آخر غير ذاك الذي أُنْزِل على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، بل هو ذات القرآن الذي ألقاه الله على لسان عبده ورسوله. ومع ذلك فقد وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قراءة أبي موسى شيئاً فريداً، لم يتوفّر عليه أحد من الصحابة، وهو ما أشار إليه بقوله (لقد أُوْتِيْتُ مِزْماراً من مزامير آل داودَ) والمزمار آلةٌ ينبعث منها صوت منغَّم، ولا يتحقّق (التنعيم) في الكلام إلا من خلال التصرف في أصوات الحروف تصرّفاً موفّقاً، يجعل للكلام وقعاً طيباً في النفس بعد الأُذُنِ، ولذلك كان قوله - صلى الله عليه وسلم -
(ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن) رواه مسلم
ومن شواهد هذه الحقيقة أن قرّاء القرآن، على كَثْرَتِهم، كلٌّ منهم يقرأ القرآن ملتزماً بقواعد التلاوة (أحكام التجويد) ورغم ذلك نجد اختلافاً بيِّناً فيْما بينهم، فتأتي قراءة هذا أجمل وأعذب من قراءة الآخر، ولو أَرَدْنا البحث عن سرِّ ذلك الاختلافِ لوجدناه ماثلاً في اهتداء اللسان إلى نسبٍ صوتية معينة في نطق الحروف، يجعل للكلمة