بمكاسب تحرره إن الشعوب إذ تناضل من أجل طرد الاستعمار فإنها لا تفعل ذلك كرها لشخصه فحسب وإنما لتبعد عن نفسها الاستغلال والتسلط، ولتبني المجتمع المتماسك السليم. ولذلك فإن الاستقلال يتجرد من قيمته إذا أدى إلى أن تتسلط فئة من الشعب على كثرته بعد الاستقلال. وإلى أن يستغل القوي في المجتمع الضعيف، وإلى أن يعيش الناس في مجتمع مترهل اختلطت فيه القيم وتباينت عند أهله المقاييس. إن ممارسة السيادة الوطنية يجب أن تكون طريقا لمحو التخلف، ولبناء الدولة العصرية، ولرفع راية العدل وسيادة القانون، ولإعطاء كل ذي حق حقه ولتوفير الأمان والرزق الكريم لكل مواطن.
وكثيرا ما يكون الكفاح السياسي بعد الاستقلال أصعب منه في مواجهة الاستعمار فالشعوب بطبيعتها تأبى الخضوع للأجنبي، ويثير وجوده فيها غريزة الدفاع عن النفس فتنشط لمقاومته وطرده، ومن هنا فهي ليست في حاجة لإذكاء همة التحرك فيها، ولذلك يقتصر دور القيادات التنظيمية على رسم اساليب العمل ضد المستعمر وكشف خططه و أساليبه للشعب. في حين أن الجماهير كثيرا ما تصاب بخدر الهمة بعد الاستقلال، أو يقصر باع تفكيرها عن تصور مكامن مصالحها الحقيقية، أو تلفها شباك المصالح الإقليمية الضيقة فتنسيها تطلعاتها وأهدافها القومية. ومن هنا يتضاعف الجهد على الطلائع الواعية من أبناء الشعب ليصروا الجماهير بحقيقة واقعهم مني انحرف عن غاياته، وليقنعوهم بأن ما يتوهمونه صلاحا إنها هو ورم سيوردهم الهلاك، فإذا تحركت الجماهير وراء طليعتها الواعية وجب بعد ذلك ضبط حركتها وتوجيهها الوجهة السليمة، فالكفاح السياسي بعد الاستقلال يتم بين فئات كلها من أبناء وطن واحد، فليس
331