كان كثير من الأقطاب العارفين الأبدال يرونه (أثناء الجذبة طبعاً)، ويصعدون عليه، ويذهبون إلى ما وراءه، ويرونه محيطاً بالأرض، يبلغ ارتفاعه ثلاثمائة سنة (أي: ما يزيد عن بعد القمر بأكثر من تسع مرات) ويرى بعضهم الحية المحيطة به (وبالتالي بالأرض) وذيلها عند رأسها...
كانوا يرون هذه الأمور بالكشف! بينما الآن، صار من البدهيات عند الجميع، حتى الصوفية، أن الأرض كروية، وقد دُرس سطحها كله إلى أعماق محترمة دراسة دقيقة! فقد دُرس سطح اليابسة بدقة بالغة، جبالاً وودياناً وسهولاً وصحاري وبحيرات وأنهاراً، ودرست تربتها إلى أعماق تقاس بالكيلو مترات بدقة أيضاً. ودرست طبقات الأرض دراسة إجمالية، لكنها صحيحة، إلى أعماق تقاس بألوف الكيلو مترات، كما درست البحار كلها سطحاً وأمواجاً ومداً وجزراً، وعرفت أعماقها بدقة، ووضع لقيعانها الخرائط الصحيحة، ووضعت الأسماء لما فيها من جبال ووديان ومنبسطات، أي: إن سطح الأرض كله درس دراسة دقيقة إن لم يكن بالمتر المربع فبالكيلو متر المربع.
ويعرف الجميع أن جبل قاف محض خرافة لا وجود له، وأن الأبعاد التي قدروها له وللأرض، لا تدل إلا على جهل كامل بجغرافية الأرض، وجهل مخز بحساب المسافات، فكشوفهم لم تفدهم شيئاً، بل هي التي دفعتهم إلى وهدة الجهل الذي يتخبطون فيه.
وما دام جبل قاف لا وجود له! فماذا كانوا يرون إذن؟
الواقع، إنهم كانوا يرون بالكشف جبل قاف، والذين كانوا يرونه هم من الأقطاب الأبدال الأولياء العارفين! ورؤيتهم له بالكشف هي برهان ساطع قاطع جديد على صحة كل ما ورد في الفصول السابقة من أن الجذبة ليست إلهية وإنما تحشيشية، وأن كشوفهم ما هي إلا هلوسات الحشاشين وتمثيليات الشياطين!
رأينا أن الخلوة عنصر أساسي في المجاهدة، وقد كانوا كلهم -أو أكثرهم- يعتزلون الناس في البراري أحياناً وفي الخرائب أحياناً، خوفاً من سيف الحلاج.