ويقول في الحديث أيضاً: ﴿..فإن الشيطان لا يتمثل بي﴾، وفي رواية: ﴿لا يتمثل بصورتي﴾، والمعنى واحد. وهنا أيضاً الفرق كبير جداً بين هذا القول، وبين قوله لو قال: (..فإن الشيطان لا يدعي أنه أنا)، أو: (لا يستطيع شيطان أن يقول عن شيطان آخر: إنه أنا)، أو: (لا يستطيع أحد أن يُخدع فيتوهم شيطاناً يراه أنه أنا)!
إن عبارة ﴿فإن الشيطان لا يتمثل بي﴾تعني أن الشيطان لا يستطيع أن يتراءى بصورة الرسول وشكله وزيه التي كان عليها صلى الله عليه وسلم في حياته، بحيث لو رآه أي إنسان من أصحابه لعرفه أنه هو.
وقد يتساءل متسائل: كيف نعرف إن كان من نراه في المنام هو الرسول أم لا؟ الجواب: تورد كتب الحديث وكتب الشمائل أوصافه صلى الله عليه وسلم، فمن رأى في منامه إنساناً تجتمع فيه كل تلك الأوصاف، دون استثناء، فهناك احتمال أن يكون هذا الذي رآه هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأقول هناك احتمال أن يكون هو الرسول؛ لأن الأوصاف المذكورة هي أوصاف إجمالية لا تفصيلية، وغير دقيقة، حيث يمكن أن نراها مجتمعة في عشرات الأشخاص الذين يختلفون عن بعضهم بدقائق صورهم وتفاصيلها.
وفي قصة جماعة الحرم عبرة لأولي النهى، فقد رأى عشرات منهم الرسول في المنام، وأخبرهم أن محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي المنتظر، ولا يخلو أن يكون بعضهم على علم بأوصاف الرسول الموجودة في الكتب، وأن يكون رآه حسب تلك الأوصاف المجملة، ثم كانت النتيجة أن القحطاني لم يكن المهدي، وبالتالي كانت كل تلك الرؤى من وسوسات الشياطين، أو من حديث النفس.
إن في هذه الحادثة برهان عملي ساطع على أن الشيطان يدعي أنه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن معنى الحديث: ﴿لا يتمثل بي﴾، أي: لا يظهر بصورته وشكله الكاملين اللذين كان صلى الله عليه وسلم عليهما في حياته.