...وكان السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه مرة يتحدث في المجلس، فذكر القاف، فقال الشيخ يعقوب له: إيش بعد القاف؟ قال: قاف، فأعاد السؤال، فقال: قاف! وهو يسأل، وهو يقول: قاف! حتى عد عشر قافات! فقال للشيخ يعقوب، وهو يقول تلك القافات: أي يعقوب، أرض بيضاء، ما عُصي ربنا فيها طرفة عين، فيها خلق عظيم لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ما سمعوا خلق آدم ولا لعنَ إبليس! فقال الشيخ يعقوب: يقدر أحد يقول ما لم يتحققه، قال: لا، أي يعقوب، ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) [ق:18] ؛ ثم قال السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه: إلا إذا كنا، ثم دعا وقام من المجلس؟ وكان بعض الفقراء يحسن الظن في الشيخ يعقوب ويعتقده، فلما رأى كلامه للسيد أحمد الرفاعي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين هكذا، ظن وتصور أن السيد أحمد الرفاعي لم يتحقق هذه الأخبار، واعترض عليه، ويقول في شأنه على الاستهزاء أحياناً، فأذن الشيخ يعقوب في يوم من الأيام، وجلس في الأول، وجاء السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه وجلس في المحراب، وأدخل رأسه في قميصه، وفعل الشيخ يعقوب مثل ذلك، حتى مضى من وقت كثير، وكان الشيخ يعقوب إذا أذن لا يقدر أحد أن يقول له شيئاً حتى يفرغ من الصلاة؟ فقام ذلك الفقير المعتقد في شأنه، المعترض على السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه، ومد يده إلى الشيخ يعقوب وحركه، فلم يجد غير قميصه وعمامته! فتعجب من ذلك وأعلم الفقراء به! فلما كان بعد ساعة طويلة، رفع الشيخ يعقوب رأسه وقام، فقال السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه للشيخ يعقوب: أي يعقوب، تعبت، وتعبك عليَّ شديد؟ ثم قال الرجل المعترض للشيخ يعقوب: ما شاهدت؟ فقال له: ما خليتمونا من فضولكم، حتى أخذنا السيد أحمد الرفاعي بهذه اللحى البيض، ودار بنا المواضع التي ذكرها بأجمعها، حتى لا يبقى منها قليل ولا كثير(1).
(1) قلادة الجواهر، (ص:191، 192).