انظر إلي ففتحت عيني فصرتُ كلي أعيناً، وكأن في باطني ما أراه في ظاهري، وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب....ثم سمعت بقارئ يقرأ قوله: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ...)) [البقرة:285]، وإذا بذلك الحجاب قد رفع، وأذن لي بدخوله، ولما دخلته رأيت الأنبياء صفوفاً صفوفاً، ودونهم الملائكة، ورأيت أقربهم إلى الحق أربعة أنبياء، ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد، وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى، وأقرب إليه أربعة أولياء فعرفت منهم السيد محيي الدين عبد القادر، وهو الذي تلقاني إلى باب الحجاب، وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، فناولني يمينه، فأخذته بكلتا يدي، فلا زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد، فلما حققت النظر في ربي رأيته على صورة النبي، إلا أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ولا ثياب، ولما وضعت شفتي على محل منه لأقبله، أحسست ببرد كالثلج سبحانه وتعالى، فأردت أن أخر صعقاً، فمسكني سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، وأعادني إلى ورائي، فعدت معه، فتلقاني ثان، فلا زلت القهقرى وأنا شاخص إلى ما أراه، فلم أشعر بنفسي إلا وأنا على الكرسي الأول(1)...
- جاء في حاشية (الصفحة: 172) أن المؤلف (ابن قضيب البان) كان علق في هامش الصفحة التي فيها هذا النص ما يلي: وإذا أنا بالمسجد الحرام من مكة عند المقام، جالس في الحجر، قريب الفجر، فجددت الوضوء، وحضرت الصلاة سنة الألف وكنت مجاوراً بمكة حينئذ، فتمت الواقعة بعد الصبح.
ونترك مناقشة هذا الكلام الرهيب والتعليق عليه للقارئ.
ويقول ابن قضيب البان أيضاً في نفس الكتاب:
موقف سر قيام الحياة بالذات الوجودية:
(1) الإنسان الكامل في الإسلام، (ص:166- 172.).