إذا أتى الفقير إلى الشيخ ليأخذ بيده، فأول ما يلقنه الورد، فإن التلقين فيه بركة عظيمة...ثم يأمره بالتوبة ورد المظالم وقضاء الدين بقدر الاستطاعة، ويحذره من الرجوع إلى ما كان عليه، ثم يعلمه ما يلزمه في دينه من طهارة وصلاة وما يتعلق بذلك إن كان جاهلاً، وما يتيسر من علم التوحيد خالياً عن الدليل، فإن كان الشيخ ليس من شأنه ذلك، دفعه إلى من يعلمه، ثم يأمره بلزوم الطاعة من صلاة وصيام وذكروغير ذلك، كل واحد ما يليق به، لأن الشيخ تقدم أنه يكون طبيباً ماهراً، ثم يأمره بالصحبة ولزوم مجالسة الشيخ، والاجتماج مع الإخوان، فطريق التربية ليست طريق الانفراد، وإنما هي طريق الاجتماع والاستماع والاتباع، فمهما انفرد المريد عن الإخوان لم يكن منه شيء، فإن تعذر إقامته مع الشيخ أمره بالزيارة والوصول، فمدد الشيخ جار إلى المريد كالساقية أو القادوس، فإن كان يتعاهدها ويمشي معها بقي الماء جارياً، وإن غفل عنها تخرم الماء وانقلب مع غيره، وأيضاً الوصول إلى الشيخ يدل على المحبة...ثم يذكره أولاً بما يُصلح جوارحه الظاهرة وهي التقوى والاستقامة، فإذا صلحت جوارحه الظاهرة أمره بالعزلة والصمت والجوع المتوسط وفراغ القلب والفناء في الاسم المفرد (الله)، فإذا رآه تحقق فناؤه وكثر تعطشه فتح له شيئاً من علم الحقائق، وأمره بالتفرغ التام وقطع العلائق، والزهد في الكونين، فإذا رآه أخذته حيرة أو دهشة دفع له علم الحقيقة، وأمره بتقليل ذكر اللسان وعمل الجوارح، وشغله بالفكرة، فإذا رآه لم يقدر على علم الحقيقة، أو رآه قنع بالعلم دون الذوق، أمره بتخريب الظاهر والتجريد التام، فإذا تمكن من الحقيقة، ورسخت فيه ذوقاً وتحقيقاً أمره بإرشاد الناس إن رآه أهلاً. هذا الذي أخذنا به وفهمناه من طريق أشياخنا(1)...
ويقول ابن البنا السرقسطي مبيناً:
حتى إذا انقاد مع الإفادة ... ... وكاد أن يصلح للإرادة
(1) الفتوحات الإلهية، (ص:328).